كتبت /منى منصور السيد
تُعد المراهقة في جوهرها “ولادة ثانية” للروح والعقل، فهي المرحلة التي يسعى فيها الإنسان لفك الارتباط بهوية والديه ليُشيّد صرح هويته الخاصة.
هذا المخاض النفسي ليس مجرد تمرد عابر، بل هو عملية إعادة هيكلة شاملة للدماغ، حيث تسبق العواطف الجياشة نضج المنطق، مما يجعل المراهق يشعر بكل شيء بحدة مضاعفة؛ فالحزن لديه قد يبدو كآبة مطلقة، والرفض البسيط يُترجم في ذهنه كإهانة لكرامته.
لذا، فإن التعامل معه في أدق تفاصيل حياته لا يتطلب سلطة “الشرطي” الذي يراقب، بل حكمة “القائد” الذي يوجه عن بعد، مدركاً أن أي محاولة لكسر إرادة المراهق لن تؤدي إلا لكسر الثقة بينهما.
تبدأ أولى خطوات الاحتواء من احترام الخصوصية، تلك المنطقة التي يراقبها المراهق بحذر ويرى في هاتفه وغرفته ومذكراته حدوداً سيادية لا تقبل الانتهاك. إن الذكاء التربوي يقتضي استبدال الرقابة اللصيقة بالرقابة الذاتية، فالتجسس يهدم في لحظة ما بني في سنوات،
بينما يمنحه الشعور بالثقة حافزاً لحماية تلك الثقة. وعندما نصل للمسائل الأكثر حساسية كالأخطاء الكبرى أو التغيرات العاطفية والجسدية، يبرز فن “الحوار الصامت” و”طرف الخيط”، حيث لا يُنتظر من المراهق أن يبوح بكل شيء تحت وطأة التحقيق، بل يُترك له المجال ليتحدث حين يشعر بالأمان، مستفيداً من قاعدة ذهبية مفادها أن الاستماع النشط أهم بكثير من إلقاء المحاضرات الطويلة التي غالباً ما توصد أبواب العقل لديه.
وفي خضم التفاعلات اليومية، يبرز التحدي في كيفية إدارة الصراع؛ فالصدام المباشر وقت الغضب لا ينتج إلا مزيداً من التباعد. هنا تظهر أهمية الفصل الحازم بين “الفعل” و”الفاعل”، فرفض السلوك لا يعني أبداً رفض الشخص، ومنح المراهق مساحات من الحرية في صغائر الأمور—كطريقة لبسه أو ترتيب غرفته—يُعد استثماراً ذكياً يجعل كلمتك مسموعة ونافذة في كبائر الأمور التي تمس سلامه وأخلاقه.
إن المراهق يحتاج إلى “مستشار” يشاركه مشاعره وتجاربه الشخصية قبل أن يملي عليه الأوامر، مما يحول العلاقة من صراع قوى إلى تحالف متين، حيث يرى في والديه الملاذ الآمن لا المحكمة التي تصدر الأحكام.
إن الهدف النهائي من هذه الرحلة الشاقة ليس الوصول إلى طاعة عمياء، بل بناء إنسان يتمتع بتقدير ذاتي عالٍ وقدرة على اتخاذ القرار.
فالمراهق الذي يجد في بيته التفهم بدلاً من التقريع، والاحتواء بدلاً من الحصار، هو الأكثر قدرة على تجاوز عواصف هذه المرحلة بسلام. وفي النهاية، يبقى النموذج الذي يقدمه المربون بأفعالهم وسكينتهم أمام تقلبات الحياة هو الدرس الأعمق الذي سيحمله المراهق في ذاكرته، فالثقة لا تُمنح كأمر
، بل تُبنى كجسر يمتد فوق فجوة الأجيال، ليظل الود باقياً حتى بعد أن تهدأ العاصفة وتستقر السفينة على بر النضج.


