فاستقيموا إليه واستغفروه
بقلم / محمـــد الدكـــروري
قال الله تعالى فى سورة فصلت” فاستقيموا إليه واستغفروه” والآن بعد أنتهاء صيام رمضان، هل إنتهي معه الصيام؟ لا طبعا فإن هناك صيام النوافل كالست من شوال والاثنين والخميس وعاشوراء، ويوم عرفه وغيرها، وبعد إنتهاء قيام رمضان فقيام الليل مشروع في كل ليله وهو سنة مؤكدة، حث النبي صلى الله عليه وسلم على أدائها بقوله ” عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة إلى ربكم ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم مطردة للداء عن الجسد ” رواه الترمذى وأحمد، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال” أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل ” وقد حافظ النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل، ولم يتركه سفرا ولا حضرا، وقام صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر حتى تفطرت قدماه، فقيل له في ذلك فقال ” أفلا أكون عبدا شكورا” رواه البخارى ومسلم.
وقال الحسن ما نعلم عملا أشد من مكابدة الليل، ونفقة المال، فقيل له ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها ؟ قال لأنهم خلو بالرحمن فألبسهم نورا من نوره، فإذا أراد المسلم أن يكون مما ينال شرف مناجاة الله تعالى، والأنس بذكره في ظلم الليل، فليحذر الذنوب، فإنه لا يوفق لقيام الليل من تلطخ بأدران المعاصي، فقال رجل لإبراهيم بن أدهم إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء ؟ فقال لا تعصه بالنهار، وهو يقيمك بين يديه في الليل، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف، وقال رجل للحسن البصرى يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل، وأعدّ طهورى، فما بالي لا أقوم ؟ فقال الحسن ذنوبك قيدتك، وقال رحمه الله إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وصيام النهار، وقال الفضيل بن عياض إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فأعلم أنك محروم مكبّل، كبلتك خطيئتك.
وقيام الليل عبادة تصل القلب بالله تعالى وتجعله قادرا على التغلب على مغريات الحياة الفانية وعلى مجاهدة النفس في وقت هدأت فيه الأصوات، ونامت العيون وتقلب النوام على الفرش، ولذا كان قيام الليل من مقاييس العزيمة الصادقة، وسمات النفوس الكبيرة وقد مدحهم الله وميزهم عن غيرهم بقوله تعالى “أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب” ولقد انقضي شهر رمضان المبارك، ولكن بعد إنتهائه هل إنقضت معه الأعمال الصالحه، فبعد أن إنتهت زكاة الفطر فهناك الزكاة المفروضه وهناك أبواب للصدقه والتطوع والجهاد كثيرة، وقرأة القرآن وتدبره ليست خاصه برمضان، بل هي في كل وقت، وهكذا فالأعمال الصالحه في كل وقت وكل زمان، فاجتهدوا الأحبة في الله في الطاعات، وإياكم والكسل والفتور.
فالله الله في الإستقامة والثبات على الدين في كل حين فلا تدروا متى يلقاكم ملك الموت فإحذروا أن يأتيكم وأنتم على معصية، وأكثروا من الإستغفار، فإنه ختام الأعمال الصالحة كالصلاة والحج والمجالس، وكذلك يُختم الصيام بكثرة الأستغفار، فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالإستغفار والصدقة وقال قولوا كما قال أبوكم آدم ” ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ” وكما قال الخليل ابراهيم عليه السلام ” والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ” وكما قال نبي الله موسى عليه السلام ” ربي إني ظلمت نفسي فأغفر لي ” وكما قال نبي الله يونس ذو النون عليه السلام ” لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” فأكثروا من شكر الله تعالى أن وفقكم لصيامه وقيامه، فإن الله عز وجل قال في آخر آية الصيام.
كما جاء فى سورة البقرة ” ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون” والشكر ليس باللسان وإنما بالقلب والأقوال والأعمال، وعدم الإدبار بعد الإقبال، فإن الفائزين في رمضان كانوا في نهارهم صائمون وفي ليلهم ساجدون، بكاء وخشوع وفي الغروب والأسحار تسبيح وتهليل وذكر واستغفار ما تركوا بابا من أبواب الخير إلا ولجوه ولكنهم مع ذلك قلوبهم وجله وخائفة، لا يدرون هل قبلت أعمالهم أم لم تقبل ؟ وهل كانت خالصة لوجه الله أم لا ؟


