مقال

على مائدة الأجداد.. حين يروي رغيف العيش حكايات الخلود


كتبت /منى منصور السيد
حين يجلس المرء أمام طبق دافئ يفوح منه عبق العصور، لا يخترق بحواسه مجرد طعام، بل يلمس أرواحاً عاشت قبلنا، وخلفت وراءها بصمات تنبض بالحياة في كل تفصيلة صغيرة من تفاصيل بيوتنا اليوم. ومن هنا، من نافذة الشوق الإنساني العريق إلى جذورنا، تتجه الأنظار نحو لقاء ثقافي استثنائي يجمع القلوب على مائدة التاريخ، تحت رعاية الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر والأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، حيث تقيم لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة، برئاسة الكاتب والباحث عبدالله مهدي، ندوة دافئة الحضور وعميقة الأثر تحمل عنوان “المطبخ في مصر القديمة”.


يلتقي عشاق التاريخ والتراث الإنساني في تمام الساعة الرابعة من عصر يوم السبت الموافق الأول من أغسطس لعام ألفين وستة وعشرين، بمقر النقابة العريقة في الحادي عشر من شارع حسن صبري بالزمالك، ليعيشوا رحلة وجدانية فريدة يروي فصولها الشيف وباحث الآثار المصرية القديمة بدر الخطيب، صاحب كتاب “جذور المطبخ: مصر القديمة مهد فن الطهي الحديث”، بينما ينسج خيوط اللقاء بحكمته الكاتب والباحث عبدالله مهدي. لا تقدم هذه الندوة سرداً جافاً لمعلومات تاريخية، بل تعيد إحياء نبض البيت المصري القديم، لتكشف لنا كيف كان الطعام لغة محبة وعبادة وحياة، وكيف تداخلت الأدوات وموازين المكاييل وأساليب الحفظ العريقة من تخليل وتجفيف لنحملها بدورنا في تفاصيل أيامنا المعاصرة.


في تلك الأمسية، سنرى كيف يبتسم التاريخ لنا من خلال أشكال الكعك التي حفرتها جدران مقابر منف وطيبة ومقبرة رخمي رع من الأسرة الثامنة عشرة، حيث ظل المصري حتى اليوم يحمل أطايب العجين رحمة ونوراً ليزرع بها الدفء، معجونة بعسل النحل والسمن ومحشوة بالتمر والتين ومزخرفة بالنبق والزبيب كما فعل الأجداد تماماً داخل أفرانهم الطينية. وحين يمتد الأفق لنجد أن كلمة “العنخ” التي تعني الحياة قد تحولت بلساننا العذب إلى رغيف “العيش”، ندرك أننا لسنا سوى امتداد جميل لرحلة بدأها الإنسان المصري على ضفاف النيل ليصنع منها قواعد الحياة الأولى. إنها دعوة صادقة لكل قلب يبحث عن أصله، ولكل روح تحب أن تتذوق طعم التاريخ حياً يمشى بين الناس، لنشاهد معاً كيف يظل المطبخ المصري هو الحكاية الأبدية للحب والبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى