مقال

ضجيج المبادرات… وصمت الأثر


بقلم: ناصر سيد
في السنوات الأخيرة، لم يعد يمر أسبوع تقريبًا دون الإعلان عن مبادرة جديدة تستهدف الشباب أو الطلاب. أسماء لافتة، وشعارات براقة، وصور تملأ صفحات التواصل الاجتماعي، وبيانات صحفية تتحدث عن نجاحات كبيرة. مشهد يتكرر كثيرًا حتى أصبح جزءًا من حياتنا اليومية. لكن بعيدًا عن هذا الزخم الإعلامي، يظل سؤال بسيط يفرض نفسه: ما الذي بقي بعد انتهاء المبادرة؟
المبادرات في حد ذاتها ليست محل خلاف، بل إنها تمثل أحد أهم أدوات المشاركة المجتمعية عندما تُبنى على رؤية واضحة وهدف حقيقي. فهي قادرة على اكتشاف المواهب، وصقل المهارات، وخلق فرص جديدة أمام الشباب. لكن ما يثير القلق هو أن بعض المبادرات أصبحت تنشغل بالظهور أكثر من انشغالها بالتأثير، حتى بدا أن نجاحها يُقاس بعدد الصور المنشورة، لا بعدد المستفيدين منها.
لم يعد إطلاق المبادرة هو التحدي، فذلك أصبح أسهل من أي وقت مضى. اسم جذاب، وتصميم احترافي، وحفل افتتاح، وكلمات رسمية، وعدسات كاميرات توثق كل لحظة. لكن بعد أن تُطوى اللافتات، وتنتهي كلمات الترحيب، ويغادر الحضور، يبدأ السؤال الحقيقي الذي لا يجد إجابة في كثير من الأحيان: هل أضافت هذه المبادرة شيئًا إلى حياة الطالب؟
في بعض الفعاليات، يتحول الطالب من مستفيد إلى مجرد جزء من المشهد. يحضر في الموعد، يجلس في المكان المخصص له، يشارك في التقاط الصور، ثم يغادر كما جاء، دون أن يكتسب مهارة جديدة أو يخوض تجربة تستحق أن يتذكرها. وكأن وجوده كان مطلوبًا لإكمال الصورة، لا لتحقيق الهدف.
هذا النمط المتكرر لا يمر دون آثار. فالطالب الذي يشارك في أكثر من مبادرة لا تترك لديه أثرًا حقيقيًا، يبدأ تدريجيًا في فقدان ثقته بكل ما يحمل اسم “مبادرة”. ومع مرور الوقت، يصبح مترددًا في المشاركة حتى في البرامج الجادة، لأنه لم يعد يفرق بين من يسعى إلى الاستثمار في قدراته، ومن يسعى فقط إلى استثماره في صورة أو خبر.
ولعل المفارقة أن بعض المبادرات تحقق نجاحًا إعلاميًا كبيرًا، بينما يظل مردودها على أرض الواقع محدودًا. فالإعجابات والمشاركات على مواقع التواصل قد تصنع انطباعًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع طالبًا أكثر إبداعًا، ولا تكتشف موهبة، ولا تؤهل شابًا لسوق العمل، ولا تبني مشروعًا يمكن أن يستمر.
لا يعني ذلك التقليل من أهمية الإعلام، فهو شريك رئيسي في إبراز النماذج الناجحة ونشر التجارب الملهمة. لكن الإعلام يفقد قيمته عندما يصبح هو الغاية، لا الوسيلة. فالتغطية الإعلامية ينبغي أن تأتي نتيجة لإنجاز حقيقي، لا أن تكون الإنجاز نفسه.
الأمر لا يتعلق فقط بالمبادرات، بل بثقافة بدأت تتسلل إلى كثير من مجالات العمل العام؛ ثقافة تختزل النجاح في الظهور، وتتعامل مع الصورة باعتبارها دليلًا على الإنجاز. ومع الوقت، أصبح البعض يفضل تنظيم فعالية تستغرق ساعات قليلة وتحقق انتشارًا واسعًا، على تنفيذ برنامج تدريبي يمتد لأسابيع ويصنع أثرًا حقيقيًا في حياة المشاركين.
لكن بناء الإنسان لا يعرف الحلول السريعة. فالمهارات لا تُكتسب في جلسة عابرة، والابتكار لا يولد في احتفال افتتاحي، والثقة لا تُبنى باللافتات والشعارات، وإنما بالمتابعة، والتدريب، والاستمرارية، وإتاحة الفرصة للطالب كي يخطئ ويتعلم ويطور نفسه.
ولو أردنا معيارًا بسيطًا للحكم على أي مبادرة، فلن يكون عدد الحاضرين أو حجم التغطية الإعلامية، بل ما تغير في حياة المشاركين بعدها. هل تعلم الطالب شيئًا جديدًا؟ هل اكتسب مهارة عملية؟ هل وجد من يرعى موهبته؟ هل أصبح أكثر قدرة على التفكير والإبداع؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهذه مبادرة تستحق أن تُروى قصتها. أما إذا كانت الحصيلة مجرد ألبوم صور وخبر صحفي، فربما علينا أن نراجع مفهومنا للنجاح.
إن الطلاب لا ينتظرون احتفالًا جديدًا، بل ينتظرون فرصة حقيقية. فرصة تمنحهم المعرفة، وتفتح أمامهم أبواب المستقبل، وتساعدهم على اكتشاف إمكاناتهم. أما المبادرات التي تنتهي بانتهاء التصفيق، فلا تترك في الذاكرة سوى صور سرعان ما يطويها الزمن.
وفي النهاية، ستظل المبادرات إحدى أهم أدوات التنمية، لكن بشرط واحد: أن يكون هدفها صناعة الإنسان، لا صناعة المشهد. فالأضواء تخفت، والعناوين تتغير، والصور تُنسى، أما الأثر الحقيقي، فهو وحده الذي يبقى شاهدًا على نجاح أي مبادرة، مهما غاب عنها الضجيج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى