مقال

صلة الرحم… العبادة المهجورة


د.سوهير الطويل
باحث اجتماعي وأسري وتربوي
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتتقلص فيه مساحات اللقاء الإنساني، تبدو صلة الرحم واحدة من القيم التي تتعرض لتحديات كبيرة في مجتمعاتنا المعاصرة. فالعلاقات التي كانت يوماً ما مصدر دفءٍ وسندٍ نفسي واجتماعي، أصبحت في كثير من الأحيان علاقات باهتة يطغى عليها الانقطاع أو المجاملة الشكلية. ومع ذلك، تبقى صلة الرحم في التصور الإسلامي قيمة أخلاقية عظيمة وعبادة جليلة، ربطها القرآن الكريم والسنة النبوية بأعظم معاني الإيمان والبركة في الحياة.
لقد أكد القرآن الكريم على أهمية صلة الرحم في مواضع عديدة، فجعلها قرينة لتقوى الله، فقال تعالى:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء: 1).
كما حذّر من قطيعتها وعدّها من مظاهر الفساد في الأرض، فقال سبحانه:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ (محمد: 22).
أما السنة النبوية فقد جاءت مؤكدة لهذا المعنى ومفصلة لفضله وآثاره، إذ قال النبي ﷺ:
“من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه.”
وفي حديث آخر قال ﷺ:
“لا يدخل الجنة قاطع رحم.”
إن هذه النصوص لا تقدم صلة الرحم بوصفها مجرد عادة اجتماعية، بل باعتبارها منظومة قيمية تحفظ تماسك المجتمع، وتضمن بقاء شبكة الدعم الإنساني بين أفراده. فالأسرة الممتدة في الثقافة الإسلامية ليست مجرد روابط نسب، بل هي منظومة تضامن ورحمة وتكافل.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: لماذا تراجعت صلة الرحم في كثير من البيئات الاجتماعية رغم وضوح قيمتها الدينية والإنسانية؟
يمكن رصد عدة أسباب تقف وراء هذا التباعد بين الأقارب. أول هذه الأسباب هو تسارع نمط الحياة الحديثة، حيث أصبح الإنسان غارقاً في ضغوط العمل والمسؤوليات اليومية، مما جعله يؤجل الزيارات والتواصل العائلي حتى تتآكل هذه الروابط تدريجياً.
كما أن التحولات الاقتصادية والهجرة الداخلية والخارجية أسهمت في تفكك الأسر الممتدة، فانتقلت العائلات من نمط الحياة الجماعي إلى نمط الفردية والاستقلال، الأمر الذي أضعف العلاقات اليومية بين الأقارب.
ومن الأسباب أيضاً تصاعد النزعة الفردية في بعض المجتمعات، حيث بات الاهتمام بالمصالح الشخصية يتقدم على العلاقات الاجتماعية، فتحولت صلة الرحم أحياناً إلى عبء اجتماعي بدلاً من كونها مصدراً للدعم والطمأنينة.
ولا يمكن إغفال دور الخلافات العائلية المتراكمة، والتي كثيراً ما تبدأ بسوء فهم صغير ثم تتضخم مع الزمن بسبب العناد أو الكرامة المجروحة، حتى تنتهي بقطيعة قد تستمر سنوات طويلة. والمفارقة أن هذه القطيعة غالباً ما تستنزف طاقة نفسية أكبر بكثير مما يتطلبه التسامح والمبادرة بالصلح.
ومن زاوية نفسية واجتماعية، تشير دراسات عديدة إلى أن الروابط العائلية القوية تسهم في تعزيز الصحة النفسية للفرد، وتخفف من مشاعر العزلة، وتمنح الإنسان شعوراً بالانتماء والاستقرار. ولذلك فإن تراجع صلة الرحم لا يمثل فقط مشكلة أخلاقية أو دينية، بل يمتد أثره إلى البناء النفسي والاجتماعي للفرد.
إن استعادة قيمة صلة الرحم لا تحتاج إلى مبادرات كبيرة بقدر ما تحتاج إلى وعيٍ بسيط ومستمر. مكالمة هاتفية، زيارة قصيرة، مشاركة في مناسبة، أو حتى رسالة ودية… كلها خطوات صغيرة لكنها قادرة على إعادة الدفء إلى العلاقات العائلية.
لقد أراد الإسلام من صلة الرحم أن تكون جسراً دائماً بين القلوب، لا يتأثر بالخلافات العابرة ولا بالانشغالات المؤقتة. فهي ليست علاقة مشروطة بالمثل أو المكافأة، بل علاقة قائمة على المبادرة والإحسان، كما قال النبي ﷺ:
“ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.”
وفي عالمٍ تتزايد فيه مظاهر الوحدة والتباعد الإنساني، ربما تكون صلة الرحم واحدة من أبسط القيم التي يمكن أن تعيد للإنسان شيئاً من دفء العلاقات ومعنى الانتماء.
فالأسرة التي تتواصل لا تحافظ فقط على روابط الدم، بل تحافظ أيضاً على إنسانية المجتمع كله.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *