صرخات خلف جدران الرحمة: مستشفيات خارج الخدمة وأدوية بلا فاعلية.. من يحاسب المقصرين؟

بين غياب الأطباء في رابعة النهار، وتلاشي فاعلية أدوية الأمراض المزمنة.. منظومة صحية تحتاج لمجهر الرقابة الحاضرة الغائبة.”
بقلمي : جمال القاضي
بين ألم المرض وقسوة الإهمال، يقف المواطن البسيط حائرًا على أعتاب بعض المستشفيات الحكومية وعيادات التأمين الصحي، يبحث عن يدٍ حانية تخفف عنه وطأة الوجع، فلا يجد في كثير من الأحيان إلا جدرانًا باردة، ومعاملة تفتقر لأبسط معاني الإنسانية. إن ما تشهده بعض المنشآت الصحية اليوم لم يعد مجرد “قصور عابر في الخدمات”، بل تحول إلى جرح غائر في جسد المجتمع يتطلب مشرط الرقابة والمحاسبة الفورية.
والزيارات المفاجئة التي يقوم بها المسؤولون بين الحين والآخر تظل خطوة محمودة، لكنها بحاجة إلى أن تتكرر وتتسع لتشمل زوايا معتمة في مستشفيات المراكز والقرى طالها النسيان، حيث يعاني المواطن الأمرين بعيدًا عن أضواء الكاميرات.
إهمال متراكم وإهدار للمال العام: حين يشتري المريض أبسط حقوقه
إذا أردنا رصد الواقع بلا تجميل في بعض المستشفيات، فإننا نصطدم بحجم الإهمال الذي يواجه فيه المريض ما يشبه الموت البطيء جراء سوء المعاملة وغياب الإمكانات. المفارقة الصارخة تبدأ من عجز بعض هذه الصروح عن توفير أبسط المستلزمات الطبية؛ إذ يضطر المواطن لشراء “سرنجة” على نفقته الخاصة! وفي المقابل، يتحول المبيت في بعض هذه المستشفيات إلى عبء نفسي وجسدي ومالي يفوق تكلفة المبيت في أرقى الفنادق أو المستشفيات الخاصة، دون تقديم أدنى خدمة طبية تذكر.
أما على الصعيد البيئي والإنشائي، فالوضع يتجاوز حدود الإهمال الطبي؛ إذ تنمو بجانب أسوار بعض المستشفيات حشائش كثيفة أُهملت تماماً حتى تحولت إلى مأوى للقوارض والثعابين التي تهدد سلامة المرضى. يضاف إلى ذلك مشاهد المباني المهملة، والشبابيك المحطمة، والأجنحة التي يغرق بعضها في ظلام دامس بلا تجهيزات، وكأنها مبانٍ مهجورة وليست منشآت مخصصة لعلاج البشر ( وتنتشر هذه الظواهر في مستشفيات القرى تحديدا ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك ان اردنا إثبات الوقائع ) .
غياب الأطباء.. عيادات خاصة على حساب العمل الرسمي
تظل أزمة “تسرب الأطباء” أثناء ساعات العمل الرسمية هي العائق الأكبر أمام تقديم خدمة حقيقية في بعض المستشفيات. ففي وسط النهار، وبدلاً من أن تجد الطواقم الطبية من أطباء وتمريض في مواقعهم لإنقاذ الأرواح وتخفيف آلام المترددين، تفاجأ بعيادات فارغة؛ حيث ينصرف بعضهم لإدارة عياداتهم الخاصة وتحقيق مكاسب شخصية على حساب وقت الدولة وحق المواطن البسيط. هذا الغياب غير المبرر يطرح علامات استفهام كبرى حول دور لجان المتابعة والتفتيش التي يجب أن تضرب بيد من حديد على كل من يخل بواجبه المهني والوظيفي.
صيدليات التأمين الصحي: أدوية كـ”الحجارة” وتساؤلات حول الجودة
لا تتوقف المعاناة عند حدود المعاملة السيئة وغياب الأطباء، بل تمتد لتطال بعض عيادات التأمين الصحي، حيث يقف المواطن في طوابير طويلة يشعر فيها وكأنه “يتسول” حقه المشروع في العلاج.
والكارثة الأكبر تكمن في شكاوى المرضى المتكررة من نوعية الأدوية المصروفة لأصحاب الأمراض المزمنة كالسكر والضغط؛ حيث تصف شريحة من المرضى تلك الحبوب بأنها أشبه بـ “الحجارة” التي تفتقر إلى الفاعلية الحقيقية ولا تحدث فارقاً في حالتهم الصحية. هذا الأمر يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات مشروعة:
أين لجان فحص الأدوية والتأكد من مطابقتها للجودة والمواصفات القياسية قبل صرفها للمواطنين؟
كيف يُهدر المال العام في تصنيع وصرف أدوية يشكك المرضى في فاعليتها؟
وأين هي معايير الرقابة الدوائية الصارمة لحماية صحة المواطن؟
في انتظار المشرط الرقابي: متى تسترد المنظومة عافيتها؟
إن مواجهة هذا الخلل الإداري والطبي الجسيم في بعض مستشفياتنا لا تنجح بالمسكنات أو الوعود، بل تحتاج إلى علاج جذري يبدأ من تفعيل الرقابة المستمرة والزيارات المفاجئة على مدار الساعة، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب بحسم.
المواطن يستحق رعاية صحية كريمة تحترم آدميته، وتقدم له دواءً حقيقيًا فعالاً، وتضمن له معاملة إنسانية تليق به. فهل تجد هذه الصرخات آذانًا صاغية لدى الجهات الرقابية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة الانضباط إلى محراب الطب .



