مقال

صخرةُ السيادة: القاهرة وأنقرة.. ومستقبلُ التوازن الصعب


بقلم: د. كامل كمال عبد القوي النحاس

​إهداء
​إلى المؤمنينَ بأنَّ السيادةَ تُنتزعُ ولا تُمنح..

​إلى الصابرينَ على ثغورِ الأوطانِ حينَ تشتدُّ الأنواء..

​إلى زعامةٍ لم ترهبها الضغوط، وقادةٍ جعلوا من الكرامة الوطنية قبلةً لا يضلُّ عنها إلا جاحدٌ أو مأجور..

​أهدي هذه القراءةَ في فقهِ القوةِ وصناعةِ التوازن.

​تمهيد:
حقائق الجغرافيا السياسية:

​تؤكدُ حقائقُ الجغرافيا السياسية، ويشهدُ بها كلُّ ذي بصيرةٍ بموازينِ القوى، أنَّ حائطَ الصدِّ المنيعَ أمامَ المخططاتِ الراميةِ لتفتيتِ المنطقةِ من النيل إلى الفرات، يتمثلُ اليومَ في وحدةِ الهدفِ وقوةِ الإرادةِ التي يجسدُها الزعيمان:

​عبد الفتاح السيسي & رجب طيب أردوغان

​إنَّ المتأمل في خارطة العالم العربي والإسلامي السني اليوم، يدركُ حقيقةً لا ينكرها إلا جاحدٌ للواقع أو جاهلٌ بآليات الحكم؛
وهي أنَّ امتلاك صفات الزعيم الفذ والولاء الكامل لمقدرات الأمة،
قد تجليا في كفتي هذا الميزان الإقليمي الجديد.

فهما يمثلان اليوم حجر العثرة الحقيقي أمام الحلم الصهيو-أمريكي وأطماع القوى العابرة للحدود.

​أولاً: عبقريةُ التجاوز.. من التباين إلى التحالف الاستراتيجي

​إنَّ أبهى صور الحكمة السياسية التي تجلت في مسيرة الزعيمين هي القدرة الفائقة على إدارة الخلاف وتحويله إلى نقاط تلاقٍ كبرى.
ففي الوقت الذي راهن فيه المتربصون على ديمومة الشقاق، أثبت السيسي وأردوغان أنَّ الزعامة الفذة هي التي تترفع عن الخلافات الحادة والرؤى المتباينة حين يلوح في الأفق خطرٌ يتهدد وجود الأمة ومقدراتها.

​لقد غلّب القائدان منطق الدولة وبصيرة الاستراتيجية على انفعال اللحظة، وانتقلا بالعلاقات من مرحلة الجفاء والتباين إلى مرحلة التحالف الاستراتيجي الشامل.

وهذا التحول ليس مجرد مناورة دبلوماسية، بل هو درسٌ بليغ في تطويع الأزمات لصالح الاستقرار الإقليمي، وإثباتٌ حيّ على أنَّ مصلحة الشعوب والسيادة القومية هي البوصلة الوحيدة التي لا تضلُّ طريقها مهما اشتدت الرياح.

​ثانياً: الزعامة الفذة.. ناصيةُ القرار وجلالُ الإيمان

​الزعيم الفذ ليس من يرفع الشعارات الجوفاء، بل من يمتلك ناصية القرار السيادي مستنداً إلى ركائز إيمانية صلبة.
وهذا ما تجلى في شخصيتي الزعيمين اللذين يجمعهما تدينٌ فطريٌ سليم، ونزعةٌ صوفيةٌ تفيضُ بالزهدِ والتبتل، وتقديسٌ مطلقٌ لشعائرِ الإسلامِ وثوابتِ الملة:

  • ​عبد الفتاح السيسي: الذي ثبّت أركان الدولة المصرية في لحظة فارقة،
    وحمى مؤسساتها من التحلل والانهيار،
    معيداً لجيشها هيبةً جعلت من مصر الرقم الصعب والركيزة الأولى للأمن القومي العربي.
    وقد اعتمد سيادته في ذلك على ظهيرٍ شعبيٍ أسطوري؛ فالشعب المصري العظيم بتماسكه ووحدته ووعيه الفطري، كان هو البطل الحقيقي الذي انتصر على كل محاولات زعزعة الثقة وبذر شقاق الانقسام،

فكان هذا التلاحم بين القائد والشعب هو الصخرة التي تكسرت عليها مؤامرات التفتيت، مستمداً صلابته من يقينٍ إيماني لا يتزعزع في نصرة الحق وحماية الكنانة.

  • ​رجب طيب أردوغان: الذي صاغ لتركيا دوراً سيادياً يتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية،
    محولاً إياها إلى قوةٍ إقليمية ندية وقطبٍ صناعي وعسكري لا يمكن تجاوز إرادته دولياً؛
    منطلقاً من خلفيةٍ إيمانيةٍ وقيمٍ إسلاميةٍ جعلت منه مدافعاً جسوراً عن قضايا الأمة ومقدساتها.

​ثالثاً: التكامل الوظيفي وطوق النجاة المنشود

​إنَّ قوة هذا المحور لا تكمن في التشابه فحسب، بل في التكامل الوظيفي؛ حيث تلتقي الريادة الروحية والعسكرية التاريخية للقاهرة مع القفزة التكنولوجية والجيوسياسية لأنقرة.
لقد أدرك الزعيمان أنَّ زمن التبعية قد ولّى، وأنَّ حماية المجال الحيوي للأمة تتطلب زعامة تمتلك جرأة الاشتباك وحكمة التفاوض.

​وإن حدث توافقٌ عربي إسلامي اليوم —ولو بدأ في إطاره المصغر— فالفضلُ فيه يرجع لله أولاً، ثم لهذه الرؤية الثنائية التي أدركت أنَّ المصير المشترك يتطلب بناء القوة المشتركة لحماية المنطقة من مشاريع الفوضى الخلاقة التي استهدفت استنزاف مقدرات الإقليم لصالح الأطماع الخارجية.

​الكلمة الختامية

​إنَّ الرهانَ اليومَ ليسَ على الوعودِ العابرةِ للبحار،
بل على سواعدٍ تبني وصقورٍ تحمي، وقلوبٍ عامرةٍ بتقوى اللهِ ومحبتِهِ.

​لقد أثبتَ السيسي وأردوغان بحكمتِهما أنَّ الخلافاتِ تذوبُ أمامَ عظمةِ الأوطان،

وأنَّ التحالفَ القويَّ هو ذاك الذي يُبنى على أنقاضِ الصراعاتِ ليصبحَ أكثرَ صلابةً ومنعة.

​فسلامٌ على مَن حفظَ الأمانة، وسلامٌ على شعبٍ وعى الدرس فصانَ الأرض، وسلامٌ على من جعلَ من قوةِ الدولةِ حصناً للمستضعفين، وصخرةً تتحطمُ عليها أحلامُ الطامعين.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *