مقال

شدة المخافة من الله سبحانه وتعالي

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، وإن الوقت هو رأس مال العبد الذي يتاجر فيه مع الله، ويطلب به سعادة الدنيا والآخرة، وبقدر ما يفوت من هذا الوقت في غير طاعة وقربة بقدر ما يضيع على العبد من السعادة في الآخرة، وهذا الوقت أغلى من الذهب والفضة فإنه لا يشترى بمال ولا يسترجع بالآمال، فعن الحسن قال “ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة” ولقد اهتم القرآن بالوقت إهتماما عظيما، فإهتم بالوقت حين أقسم الله تعالي به في كتابه، فأقسم الله بالفجر وليال عشر، وأقسم بالصبح إذا تنفس، وأقسم الله بالضحى والليل إذا سجى، وأقسم بالعصر، وأقسم بالليل، والله لا يقسم إلا بعظيم، فهذا تنبيه منه على أهمية الوقت وعظم منزلته، ولقد كان من شدة مخافة الله سبحانه وتعالي.
في قلب كعب بن مالك رضي الله عنه، هو ما روي في قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك، لما رجع الرسول عليه الصلاة والسلام من الغزوة، اعتذر إليه المنافقون فقبل منهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، أما كعب بن مالك رضي الله عنه، فقد جاء إليه وسلم عليه، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم “ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟” فقال كعب بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، وقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو عفوا فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
“أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك” وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله هذا الحديث فيه فوائد كثيرة منها هو شدة مخافة الله تعالي في قلب كعب بن مالك رضي الله عنه لأنه بيّن أنه لو جلس عند أحد من ملوك الدنيا، لخرج منه بعذر لأنه أعطي جدلا ومحاجة ومخاصمة، ولكنه يخشى أن يخرج من الرسول علية الصلاة والسلام بعذر، ثم ينزل فيه قرآن يفضحه، فلهذا أخبر بالصدق، واعلموا أن المؤمن في هذه الحياة لا غنى له عن أمرين، حتى يلقى الله سبحانه وتعالى هما الخوف والرجاء، فهو يحب ربه ويرجوه، ويخافه ويخشاه ولا يعصيه، وهما جناحان لا غنى للعبد عنهما، كجناحي الطائر إذا استويا، استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت، ولقد جاء في السنة النبوية الشريفة موقف.
من مواقف تعليم النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم لأمته عن هذين الأمرين لكي يقف العبد عندهما ويجعلهما نصب عينيه، فلا يغفل عنهما، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت، فقال “كيف تجدك” قال أرجو الله يا رسول الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو وأمَّنه مما يخاف” رواه الترمذي، ولقد ذكر الله تعالى في كتابه آيات كثيرة تدل على عظم شأن الخوف، وأنه منزلة لازمة للمؤمن في حياته الدنيا لكي يصل إلى رضا الله تعالى وجنته، وكلما زاد خوف العبد من ربه، زاد عمله، وقل عجبه، وقلت معصيته، وكلما قل خوف العبد من ربه، نقص عمله، وزاد عجبه، وكثرت معصيته، فالخوف صفة بارزة من صفات عباد الله الصالحين.
لا غنى لهم عنها في مسيرهم إلى الله تعالى فتراهم يؤدون حقوق الله، وهم خائفون وجلون من عدم قبولها، فاللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر من نصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم انصر إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان، اللهم كن لهم ناصرا ومعينا وحافظا ومؤيدا، واللهم أغث قلوبنا بالإيمان وديارنا بالمطر، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وزدنا ولا تنقصنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

mohamed negm

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *