سيكولوجية الاحتواء: كيف يحمي القائد كرامة المخطيء امتدادا للبناء

رمضان محمد
إن الإدارة التقليدية، غُرست في الأذهان صورة نمطية مفادها أن القائد الناجح هو ذاك الذي يمتلك عيوناً لا تغفل عن الخطأ، وسوطاً معنوياً جاهزاً للتصحيح العقابي الفوري؛ غير أنه مع تطور الفكر الإنساني والتربوي، ثبت بالدليل القاطع أن القيادة الحقيقية ليست فرض سطوة أو استعراض سلطة، بل هي في جوهرها فن عميق لصناعة الإنسان والارتقاء بملكاته.
إن المحك الحقيقي والاختبار الأعظم للقيادة لا يتجلى في لحظات الرخاء والنجاح الجماعي الشامل فقط، بل يظهر كاملاً في تلك اللحظة الحرجة والفارقة التي يخطئ فيها أحد أفراد الفريق، ففي تلك الثنائية تحديداً يتحدد الفرق الجوهري والفاصل بين المدير الذي يرتدي ثوب المحقق الصارم ويبحث عن مذنب ليعاقبه ويدينه، وبين ذلك القائد المربي الذي يبحث عن ثغرة ليصلحها وعن حل جذري يحمي به منظومة العمل الإنسانية.
وتعد قدرة القائد على منح المخطئ فرصة كاملة لحفظ ماء وجهه عند العثرة من أسمى الصفات القيادية وأكثرها ندرة وعمقاً، فالخطأ في العمل جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية، وهو الضريبة الطبيعية كل من يحاول ويبادر ويسعى للابتكار؛ وعندما يقع الموظف في الخطأ فإنه يمر غالباً بحالة من الهشاشة النفسية والشعور بالذنب، وهنا يبرز دور القائد الحقيقي الذي يدرك بعمق أن الهدف الأسمى من التصحيح هو تقويم المسار وتطوير الأداء لا كسر النفس، وأن الغاية الحقيقية من إبداء الملاحظة هي الإرشاد المعرفي لا الإهانة أو التقليل.
إن إهانة المخطئ أو تقريعه علناً قد تؤدي غرضاً ظاهرياً ولحظياً يتمثل في تصحيح المعاملة أو الخطأ الحالي، لكنها تترك وراءها تشوهاً مهنياً ونفسياً خطيراً في بيئة العمل، فالموظف الذي تُنتهك كرامته ويسقط ماء وجهه أمام زملائه قد لا يكرر الخطأ ذاته حذراً، ولكنه في المقابل سيفقد ركائز أساسية للمؤسسة الناجحة كالثقة والمبادرة والشجاعة، ليتحول من عنصر مبتكر متدفق بالأفكار إلى آلة حذرة جامدة تخشى التجربة خوفاً من سوط اللوم والتقريع، وبذلك تخسر المؤسسة أثمن وأرقى ما تملك وهو ولاء الموظف وشغفه المخلص.
لذا فإن القائد التربوي الملهم لا يكتفي أبداً بالجانب الإجرائي أو التقني فقط لمعالجة الخطأ، بل يذهب إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير حين يعالج نفسية المخطئ أولاً ويحمي كرامته الإنسانية؛ وبينما يسأل المدير التقليدي نفسه بكبرياء عن كيفية إظهار حجم الجرم للموظف حتى يتأدب، يطرح القائد الحقيقي على نفسه سؤالاً مغايراً تماماً يبحث في كيفية جعله يتعلم من هذا الخطأ بيسر دون أن يفقد ثقته بنفسه أو احترامه لذاته، ليثمر هذا الرقي حواراً معرفياً بناّءً يركز على الفعل لتجنبه مستقبلاً، لا على الفاعل بالوصم أو التقليل.
إن القيادة الإنسانية الحقيقة والاحتواء الذكي لا يعنيان أبداً التغاضي عن التقصير أو المجاملة العابرة على حساب جودة العمل، بل يعنيان في المقام الأول الارتقاء بالوظيفة التربوية للإدارة والاستثمار الواعي في كرامة الإنسان؛ وحين يشعر الموظف بأن عثرته عولجت برقي، وأن كرامته بقيت مصونة لم تُمس، يتولد في داخله دين أخلاقي رفيع من الولاء تتضاعف معه ثقته بنفسه وبمن يقوده، ليصنع القادة العظام بذلك امتداداً من الكوادر المستقبلية التي تعلمت كيف تقود السفن بأمان دون أن تجرح إنسانية البحار.



