سرادق العزاء ليس كافتيريا

بقلم : عماد نويجي
هناك مشاهد لا تجرح أهل الميت وحدهم بل تجرح معنى الإنسانية نفسه
تدخل سرادق العزاء فتظن أنك أمام مجلس للدعاء والرحمة فإذا بك تجد من يتصرف وكأنه ضيف شرف جاء إلى مأدبة لا إلى مأتم يجلس منتشيا وعلى وجهه ابتسامة المنتصر لأنه يحظى باهتمام خاص وكأنه يريد أن يقول للحاضرين انظروا كيف يحتفى بي وكيف يسارع الجميع لخدمتي
أي احتفاء هذا وأهل البيت يدفنون قلوبهم قبل أن يدفنوا فقيدهم
العزاء ليس مسرحا لاستعراض العلاقات ولا مناسبة لإثبات النفوذ ولا ساحة لتوزيع المجاملات الثقيلة التي تسحق صاحب المصاب تحت أقدام العادات الخاطئة
حين يقترب منك أحد حاملا كوب الشاي أو القهوة اعتذر بأدب من أول مرة لا تنتظر الإلحاح ولا تجعل من رفضك مسرحية تنتهي بترابيزة تمتلئ بالمشروبات الساخنة والباردة لأنك في النهاية لا تدفع الثمن بل يدفعه قلب منكسر وعائلة أنهكها الحزن
كل كوب تطلبه وكل مجاملة تقبلها وكل دقيقة تقضيها في انتظار الخدمة تزيد العبء على من جاء الناس لمواساته لا لاستنزافه
كن صاحب موقف لا صاحب شهية
كن محترما للمناسبة
اجلس دقائق قدم واجب العزاء ادع للميت بالرحمة ولأهله بالصبر ثم انصرف في هدوء
أما أن يتحول سرادق العزاء إلى كافتيريا مفتوحة يتسابق فيها البعض على الشاي والقهوة والعصائر والمياه الغازية ثم يغادر وهو يشعر أنه كان ضيفا مميزا فقد اختلطت عليه المعاني حتى أصبح لا يفرق بين مجلس عزاء ومجلس سمر
بعض العادات لا تستحق أن نحافظ عليها لأنها لم تعد تعبر عن الكرم بل أصبحت عبئا يرهق المكلومين ويشوّه قدسية الموقف
احترموا حرمة الموت
احترموا وجع القلوب
واتركوا لأهل الفقيد حقهم في الحزن دون أن تضيفوا إلى أحزانهم فاتورة جديدة اسمها المجاملات الفارغة
العزاء كلمة طيبة ودعاء صادق ومصافحة مخلصة ثم انصراف كريم
أما تحويله إلى مناسبة للضيافة والاستعراض فهو سلوك لا يليق بحرمة الموت ولا يليق بمن جاء يواسي لا بمن جاء يبحث عن مقعد مريح ومشروب فاخر



