روايه

زينب أسطورة الصعيد


‏الفصل السادس: رسائل الدم.. وزلزال “الخفارة”
‏بقلم الدكتور/محسن رجب جودة
‏لم يكن انسحاب الضابط “أرثر” من دار زينب إعلاناً بالهزيمة، بل كان بداية لنوع جديد من الحرب؛ حرب “الأعصاب والمراقبة”. ضُرب حصار غير معلن على بيت زينب، وصار كل فلاح يمر من أمام دارها يخضع لتفتيش مهين. لكن ما لم يدركه الإنجليز هو أن “الروح” لا يمكن حصارها بالأسلاك الشائكة.


‏أدركت زينب أن مهمتها الفردية بلغت ذروتها، وأن الوقت قد حان لتتحول “النداهة” إلى “ثورة”. بدأت ترسل رسائل صامتة لنساء القرية؛ قطعة من قماش بذة عسكرية ممزقة توضع على عتبة دار، أو خنجر يلمع في ضوء الفجر أمام “الخفارة”. كانت الرسالة واضحة: “العدو يرتعد.. والأرض لنا.”


‏قرر “أرثر” استخدام “الخونة” للوصول إلى الحقيقة. استدعى أحد الغفر الضعاف، ومنحه حفنة من الجنيهات الذهبية مقابل رأس “القاتل المجهول”. بدأ الغفير يتسلل في ليل القرية، باحثاً عن أي أثر، لكنه لم يجد سوى عيون النساء اللواتي كن يراقبنه بوعيدٍ صامت.


‏في ليلة سقوط “الجندي الخامس عشر”، وقع المحظور. استطاع الغفير أن يلمح طرف ثوب أسود يختفي خلف شجرة جميز عتيقة. ركض ليخبر المعسكر، لكنه لم يصل؛ فكانت زينب قد نصبت فخاً مزدوجاً. لم تكن وحدها هذه المرة، بل كان معها “بنات الأرض” اللواتي تعلمن منها فن الصيد الصامت.


‏في تلك الليلة، لم يختفِ جندي واحد، بل وقع انفجار في مخزن الذخيرة التابع للمعسكر. لم يكن انفجاراً كبيراً، لكنه كان كافياً لبث الفوضى العارمة. في عز الانشغال بإخماد النيران، تسللت زينب إلى قلب “الخفارة” (مركز الحراسة)، ووضعت خوذات الجنود الاثني عشر الذين قتلتهم سابقاً في صف واحد أمام باب مكتب “أرثر”.


‏حين خرج القائد في الصباح، وجد خوذات رجاله المفقودين مرصوصة كشواهد القبور، وفوق كل خوذة وردة برتقال ذابلة، وورقة صغيرة مكتوب عليها بخطٍ مهتز لكنه ثابت:
‏”الأرض لا تأكل أبناءها.. الأرض لا تشبع من أعدائها.”
‏جن جنون القيادة البريطانية في القاهرة. صدرت الأوامر بحرق المحاصيل وتدمير البيوت، لكن هذه الإجراءات لم تزد الفلاحين إلا إصراراً. تحولت زينب من أرملة تطالب بالثأر إلى “رمز” يرتعد منه جيش كامل.


‏جلس “أرثر” في مكتبه، ينظر إلى الخوذات، وشعر لأول مرة برعشة حقيقية. التفت إلى صورته في المرآة، فرأى خلفه خيال امرأة بوشاح أسود، وحين التفت لم يجد أحداً.. سوى رائحة “بخور” خفيفة تملأ الغرفة.
‏لقد دخلت زينب إلى حصنهم.. وصار الموت ينام معهم في فراش واحد….إلى اللقاء في الفصل القادم.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات متعلقة

روايه

العميل رقم 12