دينا المصري بين الغيرة على الدين وإخماد نار الفتنة

كتب ضاحى عمار
أطفئوا نار الفتنة قبل أن تمتد إلى بيت لا يملك أحد منا أن يستغني عنه، فمصر لم تكن يومًا وطنًا يسأل أبناءه عن ديانتهم قبل أن يمنحهم حق العيش في أمان، ولم يكن المسلم فيها غريبًا عن المسيحي، ولا المسيحي غريبًا عن المسلم، بل عاشا جارين وزميلين وصديقين وشريكين في تفاصيل الحياة، يتقاسمان الشارع والعمل والنادي والمواصلات والأفراح والأحزان.
ومن هنا يجب أن تُقرأ واقعة الإعلامية دينا المصري بعيدًا عن الضجيج الذي صنعته منصات التواصل، وبعيدًا عن محاولات تحويل خلاف شخصي إلى معركة طائفية. فبحسب الرواية المتداولة، بدأت المسألة بتساؤل طرحته دينا حول عدم سماع الأذان في مكان إقامتها، وهو سؤال يرتبط بشعيرة إسلامية بالنسبة إلى امرأة مسلمة، ثم جاء تعليق مسيء إلى المؤذن وإلى شعيرة الأذان نفسها، الأمر الذي استفزها ودفعها إلى الرد.
وهنا تحديدًا يجب أن تكون نقطة البداية في أي نقاش منصف: لا يصح أن نناقش رد الفعل وننسى الفعل الأصلي. ومن أخطأ في حق شعيرة دينية أو استخدم لفظًا مهينًا بحق معتقدات الآخرين، فعليه أن يتحمل مسؤولية ما قال، أياً كانت ديانته. وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن الدين لا يمنح أحدًا رخصة للإساءة إلى الآخرين أو تعميم الخطأ على طائفة كاملة.
كانت دينا المصري، في هذه الواقعة، إنسانة قبل أن تكون إعلامية، ومسلمة قبل أن تكون صاحبة برنامج، ومن الطبيعي أن تتأثر عندما تشعر أن شعيرة من شعائر دينها تعرضت للإهانة. وقد يخون الإنسان التعبير أحيانًا تحت وطأة الغضب، وقد لا يختار أفضل الكلمات في لحظة انفعال، لكن الإنصاف يقتضي أن نفرق بين حق الإنسان في الغيرة على معتقده وبين حق الآخرين في رفض أي إساءة أو تجاوز.
ولا ينبغي أن تتحول دينا المصري إلى هدف مفتوح لحملة تشهير أو إقصاء اجتماعي لمجرد أنها دافعت عن دينها بانفعال. وإذا كان هناك تجاوز في عباراتها، فليُناقش التجاوز نفسه بالحجة والقانون، لا بالتشهير ولا بالتحريض ولا بتحويل القضية إلى صراع بين المسلمين والمسيحيين.
كما لا يصح، في المقابل، أن تتحول الواقعة إلى اتهام جماعي لإخوتنا المسيحيين. فالمسيحي الذي يرفض الإساءة إلى الإسلام شريك في حماية وطنه، والمسلم الذي يرفض الإساءة إلى المسيحية شريك في حماية الوطن ذاته. والخطأ يظل خطأ صاحبه، ولا يجوز أن يحمل وزره ملايين لا علاقة لهم به.
أما ما يثار بشأن مواقف بعض الشخصيات العامة، فيجب أن يبقى النقاش في حدود المواقف والتصريحات الموثقة، لا في حدود الدين أو الأصل أو الهوية الشخصية. فمن حق أي إنسان أن ينتقد، ومن حق الآخرين أن يردوا على النقد، لكن ليس من حق أحد أن يحول الخلاف إلى اتهامات طائفية أو أن يجعل ديانة الإنسان سببًا في إدانته.
لقد دفعنا ثمن الفتن طويلًا، ولا يليق بنا أن نعيد إنتاجها من جديد بسبب تعليق على موقع للتواصل الاجتماعي. فكم من كلمة كتبت في لحظة غضب تحولت إلى نار في صدور الناس، وكم من منشور اقتطع جزءًا من الحكاية وترك بقيتها، حتى أصبح الناس يحاكمون بعضهم بعضًا على روايات ناقصة.
فلنكن منصفين مع دينا المصري، من دون أن نمنحها حصانة من النقد، ولندافع عن حقها في كرامتها من دون أن نسيء إلى أحد. ولندافع في الوقت نفسه عن حق كل مسلم في احترام شعائره، وحق كل مسيحي في احترام معتقده، لأن احترام الأديان لا يعني أن نتفق في كل شيء، وإنما يعني أن نختلف دون أن نهين بعضنا.
وفي النهاية، لسنا ملائكة حتى لا نغضب، ولسنا معصومين حتى لا تخوننا الكلمات. نحن جميعًا أبناء آدم، وآدم من تراب، وإلى التراب عائدون. فما حاجتنا إلى إشعال النار بين إخوة يجمعهم وطن واحد، بينما الحياة نفسها تضع المسلم والمسيحي كل صباح في شارع واحد، ومحل عمل واحد، وقطار واحد، ومدرسة واحدة، ومستشفى واحد؟
إن كانت هناك حجة، فلتقم الحجة على صاحب الإساءة أولًا، ثم على أي رد تجاوز حدود الأدب أو القانون، دون انتقائية ودون ازدواجية. أما أن نحول الواقعة إلى حرب دينية، فذلك ظلم لمصر قبل أن يكون ظلمًا لأي طرف.
اتركوا للأذان مكانه في المساجد، وللصلبان مكانها في الكنائس، وللقلوب المصرية مساحة أوسع من أن تختنق بكلمة عابرة. مصر لا تحتاج إلى منتصر في معركة طائفية، وإنما تحتاج إلى عقلاء يطفئون النار قبل أن تصل إلى ثوب الوطن.
احفظوا حق دينا المصري في كرامتها، واحفظوا في الوقت نفسه حق الآخرين في كرامتهم، وحاسبوا المخطئ بقدر خطئه، لا بقدر ديانته.
تلك هي العدالة، وذلك هو الإنصاف، وذلك وحده ما يستحقه وطن عاش فيه المسلم والمسيحي قرونًا طويلة تحت سماء واحدة، وسيبقى فيه الجميع ما بقيت مصر.



