مقال

خلاف الفقهاء لا يفسد الود بينهم

سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟

بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس

المقال الخامس

من أشهر الرسائل المنقولة في تاريخ الخلاف الفقهي المبكر رسالة مالك بن أنس، إمام المدينة، إلى الليث بن سعد، إمام مصر، وما جاء في جواب الليث عليها.

وقد نقلها يعقوب الفسوي، واشتهرت بعد ذلك في كتب العلماء، ومن مصادرها ما أورده ابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب، ونقلها ابن القيم في إعلام الموقعين.

وقيمة هذه الرسالة أنها لا تعرض خلافًا بين عالمين كبيرين فحسب، وإنما تجعلنا نرى كيف انتشر العلم في الأمصار بانتشار الصحابة وعدم بقائهم جميعًا في المدينة، وكيف تفاوت ما حملوه من العلم، فكان فيهم المكثر والمقل، وكيف يمكن أن يختلف عالمان، وكل منهما يستند إلى علم ورواية واجتهاد.

فقد خرج الصحابة إلى الأمصار، واجتمع إليهم الناس، فعلموهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ثم جلس إليهم التابعون، وتعلموا منهم، ونقلوا علمهم إلى تلاميذهم.

وهكذا نشأت حلقات العلم في المدينة ومكة والعراق والشام ومصر وغيرها.

ولم يكن الأمر مجرد انتقال أشخاص من بلد إلى آخر، بل كان انتقالًا للعلم نفسه.

فهذا صحابي يحمل حديثًا سمعه، أو قضاءً شهده، أو حكمًا تعلمه من النبي ﷺ، فيرويه لمن حوله، وقد يحفظه تلاميذه وينقلونه إلى من بعدهم، بينما لا يصل الخبر نفسه إلى عالم في بلد آخر.

ومن هنا أصبح ممكنًا أن يكون عند عالم في المدينة علم أو أثر لا يكون عند عالم في مصر أو العراق، وقد يحدث العكس.

رسالة مالك.. ثم رد الليث عليه

كتب مالك إلى الليث يناقشه في مسائل بلغه أن الليث يفتي فيها بخلاف ما عليه أهل المدينة.

وكان مالك يرى أن للمدينة مكانة علمية خاصة؛ فهي موطن النبي ﷺ، وفيها عاش الصحابة، وتلقى التابعون العلم عنهم، واستمر فيها عمل العلماء.

لكن الليث لم يتعامل مع كلام مالك على أنه حكم نهائي، بل أجابه جوابًا علميًا مفصلًا.

ذكّره بأن الصحابة لم يبقوا جميعًا في المدينة، وأن من السابقين الأولين خرجوا إلى الأمصار، فعلموا الناس الكتاب والسنة، واجتهدوا فيما لم يجدوا فيه نصًا، ثم اختلف الصحابة أنفسهم في بعض مسائل الفتوى، واختلف التابعون من بعدهم.

ولم يكن الليث يقلل من شأن علماء المدينة، بل أكد احترامه لهم، ثم ناقش مالكًا في حجية بعض ما استقر عند أهل المدينة، وبيّن أن العلم والعمل قد يختلفان من مصر إلى مصر.

وسنترك بقية أمثلة الرسالة لمواضعها، ونقف هنا عند مثالين؛ لأن المقصود ليس استعراض الرسالة، وإنما فهم فكرتها.

الشاهد واليمين

من المسائل التي ذكرها الليث القضاء بشهادة شاهد واحد مع يمين صاحب الحق.

وقد كان هذا معمولًا به في المدينة، بينما ذكر الليث أن هذا القضاء لم يكن معروفًا عند الصحابة في الشام ومصر والعراق على النحو نفسه.
ثم ساق مثالًا مهمًا من عصر عمر بن عبد العزيز: فقد كان يقضي في المدينة بالشاهد ويمين صاحب الحق، فلما تولى ووجد أهل الشام على غير ذلك، كتب إليه أحد عماله، فأجابه بأنه وجد أهل الشام على خلاف ما كان عليه أهل المدينة، فأصبح لا يقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين.
فماذا نرى هنا؟

لسنا أمام عالم يريد أن يأخذ بالسنة وعالم يريد أن يتركها، وإنما أمام اختلاف في الدليل الذي قامت به الحجة، وفي العمل الذي استقر في كل بيئة علمية.

وهكذا يمكن أن يصل فقيه إلى حكم، بينما يصل غيره إلى حكم آخر، لأن ما ثبت عنده من الرواية والعمل ليس هو ما ثبت عند الآخر.

الجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر

ومن المسائل التي أشار إليها الليث الجمع بين المغرب والعشاء بسبب المطر.

وقد ثبت حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ جمع بالمدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وقال ابن عباس في بيان الحكمة: أراد أن لا يحرج أمته. رواه مسلم.

لكن الليث لم يجعل الحديث وحده محور احتجاجه، بل احتج أيضًا بما نقل عن الصحابة الذين عاشوا في الأمصار التي كان المطر ينزل فيها كثيرًا، فذكر عددًا منهم في الشام والعراق وغيرها، وقال إنه لم ينقل عنهم أنهم كانوا يجمعون المغرب والعشاء بسبب المطر.

ومن هنا ظهر اختلاف العمل.

فمن رأى أن المطر يدخل في المشقة التي يشرع بسببها الجمع أخذ بذلك، بينما رأى آخرون أن ما نقل عن عدد من الصحابة الذين عاشوا في بلاد كثيرة المطر لا يؤيد هذا التوسع.

إذن فالمسألة ليست: حديث يؤخذ به وحديث يترك، وإنما يدخل فيها الحديث، وفهم دلالته، وما نقل عن الصحابة من عمل، وكيف ينزل ذلك على الواقع.

وهذا يوضح كيف يمكن لاختلاف الروايات والأعمال التي وصلت إلى العلماء أن يؤدي إلى اختلاف الفتوى.

ماذا تكشف لنا رسالة مالك والليث؟

تكشف لنا أن العلم كان منتشرًا في الأمصار، لكنه لم يكن يصل إلى جميع العلماء بالطريقة نفسها.

قد يعرف عالم رواية أو أثرًا لا يعرفه آخر، أو يعرفه أحدهما ولا يعرف معه العمل الذي جرى عليه في بلد آخر.

وهكذا قد يكون أصل العلم واحدًا، لكن طريق كل فقيه إلى الحكم يمر عبر روايات وأعمال واجتهادات مختلفة.
وهذا أحد الأسباب التي سنقف عندها بالتفصيل في المقالات القادمة.

والأجمل أن الاختلاف لم يتحول إلى خصومة شخصية.

مالك يكتب إلى الليث، والليث يجيب بالحجة، ويختلف معه في مسائل، ومع ذلك يحفظ كل منهما للآخر قدره ومكانته.

وهنا درس لا يقل أهمية عن الدرس الفقهي:

ليس كل مخالف خصمًا، وليس كل اختلاف طعنًا في العلم أو الدين.

جسر إلى المقال السادس

أعطتنا رسالة مالك والليث الصورة العامة:

تفرق الصحابة، وانتشر العلم، وتعددت طرق وصوله إلى العلماء.

لكننا نريد في المقال القادم أن نرى هذه الحقيقة داخل وقائع فقهية محددة:

ماذا يحدث عندما يبلغ الحديث فقيهًا ولا يبلغ غيره؟

سنقف عند أمثلة واضحة، وفي مقدمتها حديث تأبير النخل، لنرى كيف يمكن لاختلاف وصول الحديث أن يؤدي إلى اختلاف الاجتهاد.

وقبل أن نقول عن فقيه: خالف الحديث، علينا أن نسأل أولًا:
هل بلغه الحديث أصلًا أم لم يبلغه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى