بقلم: د.ذكاء رشيد
في زحام الحياة اللاهث، وبينما تطوي السنون صفحاتها بتسارع لم نعهده، يداهم الكثيرين شعور مباغت بالتقصير. ليس تقصيراً في الواجبات اليومية أو الوظيفية، بل هو “تقصير وجودي” تجاه الذات؛ إحساس طاغٍ بأن العمر قد مضى، وأننا برغم كل ما حققناه، لم نقدم شيئاً يذكر من أحلامنا الكبرى، أو نخطّ الكلمات التي طالما تراقصت في مخيلتنا.
ظاهرة “قلق الإنجاز” المتأخر
يرى علماء النفس أن هذا الشعور ليس دليلاً على الإخفاق، بل هو تجلٍّ لوعي الإنسان بقيمة الزمن. حين نصل إلى مرحلة “مسابقة الزمن”، نبدأ بمقارنة ما أنجزناه بما كنا نطمح إليه في مقتبل العمر. هذه الفجوة تلد نوعاً من القلق الإيجابي أحياناً، والمحبط أحياناً أخرى. فالمبدع الذي لم يكتب روايته بعد، والمفكر الذي لم يبلور نظريته، يشعران بأن مخزون الوقت بدأ ينفد، وأن “القصة” لم تكتمل فصولها بعد.
لماذا نشعر أننا “لم نفعل شيئاً”؟
تتعدد الأسباب الكامنة وراء هذا الهاجس، ولعل أبرزها:
مثالية الطموح: فنحن نرسم لأنفسنا صوراً براقة في الشباب، وحين تصدمنا واقعية الحياة ومسؤولياتها، نشعر أننا انحرفنا عن المسار الأصلي.
ثقافة المقارنة: في عصرنا الحالي، تضغط منصات التواصل الاجتماعي بصور “النجاح السريع”، مما يوهم الفرد بأن إنجازاته الشخصية والمهنية الرصينة لا قيمة لها أمام “بريق” الإنجازات الخاطفة للآخرين.
غزارة الفكر: فالإنسان كلما نضج، اتسعت مداركه وزاد ما يود قوله وكتابته، فيصبح الإنتاج الفعلي دوماً أقل من سقف الطموح المتجدد.
الكتابة كمعركة ضد النسيان
تمثل “الكتابة” على وجه الخصوص الهاجس الأكبر لدى الكثيرين عند تقدم العمر. فالكلمة هي البصمة التي لا تمحى، والرغبة في “كتابة ما نود” هي في الحقيقة رغبة في تخليد التجربة الإنسانية. يخشى المرء أن يرحل وتلك الأفكار لا تزال حبيسة صدره، مما يجعله في سباق محموم مع الزمن لترجمة مشاعره ورؤاه إلى نصوص باقية.
إعادة التوازن: النضج هو “الإنجاز” الأسمى
إن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن ما نقدمه في مراحل النضج يمتلك “ثقلاً نوعياً” يفوق حماس البدايات. فالإنجاز لا يُقاس بالكم، بل بالعمق والأثر. إن الشعور بأن هناك “الكثير مما نطمح إليه” هو في الواقع علامة عافية ذهنية، ودليل على أن الروح لا تزال شابة وقادرة على العطاء.
كلمة أخيرة
السباق مع الزمن ليس الهدف منه الفوز في النهاية، بل الاستمتاع بكل خطوة في الطريق. إن أفضل وقت لكتابة ما تود، أو البدء بما تطمح إليه، هو “الآن”. فالعمر مجرد رقم، أما القيمة الحقيقية فهي في تلك الشعلة التي لا تنطفئ بداخلنا، والتي تخبرنا دائماً أن الأجمل لم يأتِ بعد


