بقلم : عماد نويجى
في كل مجتمع لحظات ازدهار ولحظات تعثّر غير أن أخطر المؤشرات على الخلل العميق ليست دائمًا اقتصادية أو سياسية بل ثقافية بالدرجة الأولى فعندما تتصدر الموضوعات السطحية واجهة النقاش العام ويصبح حضور التافهين أعلى صوتًا من أهل الفكر والخبرة فذلك جرس إنذار يستحق التوقف والتأمل
ليس المقصود هنا التقليل من شأن الترفيه أو التقاط الأنفاس في زحام الحياة فالمجتمعات الصحية تحتاج بطبيعتها إلى مساحة للمرح والخفة لكن الخلل يبدأ حين يتحول الهامشي إلى مركز والمؤقت إلى دائم والصوت المرتفع إلى معيارٍ للقيمة عندها تتبدل بوصلة الاهتمام العام ويصبح قياس النجاح قائمًا على الانتشار لا الأثر وعلى الضجيج لا الجودة
تاريخيًا كانت المجتمعات المتماسكة توازن بين ما يُمتع وما يُنفع كانت تفتح المجال للثقافة الجادة وتمنح أهل الاختصاص مكانتهم الطبيعية في النقاش العام أما حين تتراجع هذه المعايير فإن الساحة تمتلئ تدريجيًا بمحتوى سريع الاستهلاك سهل التداول ضعيف العمق ومع الوقت لا يكتفي هذا المحتوى بالانتشار بل يعيد تشكيل الذائقة العامة نفسها
الخطورة الحقيقية لا تكمن في وجود التفاهة فهي موجودة في كل زمان بل في تصدّرها حين يصبح صانع الضجة قدوة وصاحب الفكرة العميقة مهمّشًا فإن الأجيال الصاعدة تتلقى رسالة ضمنية مفادها أن الطريق الأقصر للشهرة أهم من الطريق الأجدر بالاحترام وهنا يبدأ التآكل البطيء في منظومة القيم
مع ذلك من التبسيط المخلّ وصف أي مجتمع بأنه “فاشل جدًا” لمجرد ارتفاع صوت المحتوى السطحي في مرحلة ما فالمجتمعات كيانات حية تمر بدورات صعود وهبوط وغالبًا ما تحتوي في داخلها تيارات مقاومة تعمل بصمت لإعادة التوازن كم من موجات سطحية طغت مؤقتًا ثم انحسرت حين استعاد الجمهور حسّه النقدي
المطلوب إذن ليس جلد المجتمعات بل قراءة المشهد بوعى
دعم المحتوى الجاد دون تعالٍ
تعزيز التربية الإعلامية والنقدية
وتمكين الأصوات الرصينة من الوصول إلى الجمهور
فالمشهد العام ليس قدرًا محتومًا بل نتيجة خيارات جماعية تتراكم مع الزمن وكلما ارتفع وعي المتلقي ضاق المجال أمام التفاهة أن تتسيّد
في النهاية يبقى المعيار الحقيقي لصحة أي مجتمع هو قدرته على تصحيح مساره فالمجتمعات الحية قد يعلو فيها الضجيج أحيانًا لكنها لا تسمح له أن يكون الصوت الأخير


