بقلم/د ولاء الطنطاوى
في مشهد يثير الدهشة أكثر مما يبعث على الاطمئنان، تصدّر المشهد العام ما يمكن وصفه بـ«ترند بعض نواب الدقهلية»، في سباقٍ محموم على من قدّم طلبًا بتغيير موعد فتح الأفران، وكأننا على أعتاب إنجاز تاريخي يعيد كتابة مفهوم العمل النيابي من جديد.
السؤال هنا ليس عن أهمية رغيف العيش، فهو بلا شك قضية جوهرية تمسّ حياة المواطن اليومية
لكن السؤال الأخطر والأعمق:
هل اختُزل دور الدولة، والمحافظ، والنواب، في توقيت فتح الفرن
وهل نعود مرة أخرى إلى نقطة البدائيات، حيث تتحوّل الإجراءات الروتينية إلى ملاحم إعلامية
ما يحدث لا يمكن اعتباره دفاعًا حقيقيًا عن المواطن، بقدر ما هو تضخيم إعلامي مفرط لقرارات تنفيذية لا تُعرّي الدولة، ولا تحل أزماتها، بل تُستخدم كستار يُخفي خلفه ملفات أكثر إلحاحًا وخطورة، من بينها:
شوارع تفتقد الحد الأدنى من النظافة،
مرور يومي كارثي
بنية تحتية مُنهكة
رقابة غائبة أو منقوصة
وخدمات أساسية تحتاج إلى إدارة حقيقية لا بيانات مصوّرة.
وفي خضم هذا الضجيج المفتعل، يتم تجاهل حقيقة جوهرية، مفادها أن أي طرح جاد لتغيير مواعيد عمل الأفران لا يُفترض أن يكون قرارًا فرديًا أو مادة للمزايدة السياسية، بل ملفًا خاضعًا للدراسة داخل وزارة التموين، ومن خلال مديرية التموين بالدقهلية، باعتبارها جهة تنفيذية تعمل وفق خطة وزارية واضحة ومُحكمة.
وهي خطة لا تستهدف «تعرية الدولة» أو خلق أزمات مفتعلة، بل تقوم في الأساس على الحفاظ على أمن واستقرار الدولة، وضمان انتظام منظومة الخبز، وتحقيق التوازن بين حق المواطن، وقدرة الدولة على الاستمرار في الدعم دون فوضى أو ارتجال.
ومن ثمّ، فإن تحويل ما هو محل دراسة فنية مؤسسية إلى «بطولة إعلامية» لا يخدم المواطن، بل يُسيء للفكرة نفسها، ويُظهر الدولة وكأنها تُدار بردود الأفعال، بينما الواقع أن مؤسساتها تعمل وفق حسابات دقيقة تتعلق بالأمن الغذائي، والانضباط الإداري، والاستقرار المجتمعي.
الإشكالية الأكبر ليست في مطالبة المواطن بحقه في رغيف العيش أو المرور أو النظافة، فهذا حق أصيل لا جدال فيه،
بل في حالة جهل مجتمعي – مقصود أو غير مقصود – بدور المحافظ وحدود مسؤولياته،
وفي إعلام يصنع ضجة من لا شيء، ويُسقط عمدًا أدوارًا محورية لا تقل أهمية، وعلى رأسها وكلاء الوزارات.
فإذا كان المحافظ مسؤولًا عن إدارة المحافظة ككل،
فأين وكلاء الوزارات
أين دورهم التنفيذي والقيادي
أين خططهم ورؤاهم
وإذا كانوا غائبين عن المشهد، وغائبين عن المحاسبة،
فلماذا تُطالَب الدولة بالاستمرار في دفع مرتباتهم
إن تحويل كل تفصيلة صغيرة إلى بطولة، وكل إجراء طبيعي إلى «إنجاز»،
لا يخدم الدولة ولا المواطن،
بل يُفرغ العمل العام من مضمونه،
ويُرسّخ ثقافة الشكل على حساب الجوهر.
الدولة القوية لا تُدار بالترند
ولا تُبنى على سباق بيانات
بل على مؤسسات تعمل
ومسؤوليات واضحة
وإعلام واعٍ يعرف جيدًا الفرق بين الواجب والإنجاز.
وفي النهاية
المواطن لا يبحث عن بطل يقف أمام فرن
بل عن دولة تعمل في صمت
وتُحاسَب بوضوح
وتُدار بعقلٍ… لا بعدسة