حين توقف المصعد بدأت الحياة

بقلم : عماد نويجي
في تمام الساعة السادسة مساء كان برج النور يعج بالحركة كعادته
موظفون يغادرون مكاتبهم
زوار يصعدون إلى الشقق
وأصوات خطوات تتداخل في ممرات طويلة لا يعرف أصحابها شيئا عن بعضهم
دخل خمسة أشخاص إلى المصعد في الطابق الأرضي
رجل في منتصف الخمسين يدعى عادل يحمل حقيبة جلدية ويبدو عليه الوقار لكنه يخفي خلف عينيه إرهاقا لا يراه أحد
امرأة شابة اسمها نور تحمل ملفا طبيا وتبدو مستعجلة كأنها تطارد شيئا لا تريد أن تفقده
شاب صغير يدعى يوسف يرتدي ملابس بسيطة ويحمل صندوق أدوات لأنه يعمل في صيانة الأجهزة
رجل آخر اسمه فؤاد يبدو غاضبا طوال الوقت ويتحدث في هاتفه بعصبية
وامرأة مسنة تحمل كيسا صغيرا وتبتسم للجميع وكأنها تعرفهم منذ سنوات
ضغط يوسف زر الطابق العاشر
وانغلق الباب
بدأ المصعد في الصعود بهدوء
ثوان قليلة فقط
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان
اهتز المصعد بعنف
انطفأت الإضاءة
وتوقف كل شيء
سكن المكان
خمسة غرباء وجدوا أنفسهم فجأة في صندوق معدني ضيق معلق بين السماء والأرض
في البداية سيطر الصمت
ثم بدأ الخوف يتحدث
ضرب فؤاد الباب بعنف
صرخ
افتحوا الباب
أنا لا أستطيع البقاء هنا
حاول يوسف تهدئته
لكن فؤاد صاح بغضب
أنت لا تفهم شيئا
أنا لدي موعد مهم
هناك أشياء ستنهار إذا تأخرت
ابتسمت المرأة المسنة بهدوء وقالت
كلنا لدينا أشياء نظن أنها لا تحتمل التأخير
لكن الحياة أحيانا توقفنا رغما عنا
نظر إليها الجميع بصمت
كانت كلماتها بسيطة لكنها أصابت شيئا عميقا في داخلهم
أخرج يوسف هاتفه
لا توجد إشارة
حاول الاتصال بالطوارئ دون فائدة
بدأ القلق يزداد
قالت نور وهي تنظر إلى ساعتها
لا يمكن أن يحدث هذا الآن
سألها عادل
هل أنت بخير
ترددت قليلا ثم قالت
لدي عملية بعد ساعة
ليس لي أنا
لأبي
هو ينتظرني في المستشفى
وأنا أخشى أن أكون آخر شخص يراه
ساد الصمت
لأول مرة ظهر شيء إنساني خلف وجهها القلق
قال عادل
سيصلون إلينا
لا تقلقي
نظرت إليه وقالت
أنت تتحدث وكأنك متأكد
ابتسم بحزن
أنا كنت دائما أقول للناس لا تقلقوا
لكنني لم أستطع يوما أن أقولها لنفسي
بدأ المصعد يصبح أكثر حرارة
جلسوا جميعا على الأرض
وبدأ الوقت يمر ببطء
فؤاد الذي كان أكثرهم غضبا أصبح هادئا
قال فجأة
هل تعرفون شيئا غريبا
نحن خمسة أشخاص لا نعرف بعضنا
وخلال عشر دقائق عرفنا عن بعضنا أكثر مما عرفنا عن أقرب الناس لنا
لم يرد أحد
لأن الجميع شعر أن الحقيقة أصابتهم
قالت المرأة المسنة
لأن الغرباء لا يملكون صورة قديمة عنا
لا يعرفون أخطاءنا
ولا يحاكموننا
نحن أمامهم مجرد أرواح
تنظر إليها كما هي
سألها يوسف
وأنت يا أمي
لماذا تبدين هادئة
ضحكت وقالت
لأنني قضيت عمري أخاف من أشياء كثيرة
ثم اكتشفت في النهاية أن أكثر ما أخاف منه كان أقل مما تخيلت
سألها عادل
وماذا كنت تخافين
نظرت إلى الأرض وقالت
أن أموت قبل أن أسامح ابني
تغيرت ملامح الجميع
تابعت
تشاجرنا منذ سنوات
خرج من البيت غاضبا
وانتظرت أن يأتي هو ليعتذر
وانتظر هو أن أبدأ أنا
وضاع العمر بين الانتظار والكبرياء
خفض عادل عينيه
وكأن كلماتها فتحت بابا داخله
قال بصوت خافت
أنا أيضا
لم أتحدث مع ابني منذ ثلاث سنوات
ليس لأنه أخطأ
بل لأنه لم يوافق على اختياراتي
كنت أريد أن يكون نسخة مني
ونسيت أنه إنسان له طريقه
نظر إليه يوسف
وقال
ربما هو ينتظر منك كلمة واحدة فقط
ابتسم عادل ابتسامة موجوعة
كلمة واحدة أحيانا تكون أصعب من ألف قرار
فجأة سمعوا صوت ارتطام
ثم عاد المصعد يهتز
صرخت نور
ماذا يحدث
اقترب يوسف من لوحة التحكم
وجد عطلا في النظام
قال
يجب أن أبقي الباب مغلقا حتى لا نزيد الخطر
لأول مرة ظهر الخوف على وجهه
سألته نور
أنت خائف
قال
نعم
لكنني تعودت أن أخفيه
ضحكت المرأة المسنة
كلنا نفعل ذلك يا بني
نحن لا نرتدي أقنعة لأننا كاذبون
بل لأننا نحاول أن نستمر
بعد ساعات طويلة
وصل صوت فرق الإنقاذ
بدأ الباب يفتح ببطء
دخل الهواء إليهم كأنه أول نفس في حياتهم
خرجوا واحدا تلو الآخر
لكنهم لم يعودوا كما دخلوا
قبل أن يذهبوا
تبادلوا أرقام الهواتف
ليس لأنهم أصبحوا أصدقاء فقط
بل لأن كل واحد منهم شعر أنه ترك جزءا من نفسه مع الآخرين داخل ذلك المصعد
في اليوم التالي
ذهب عادل إلى منزل ابنه
لم يحمل معه عتابا
بل حمل قلبه فقط
نور دخلت المستشفى قبل موعد العملية بقليل
وأمسكت يد والدها طويلا
يوسف قرر أن يترك عمله القديم ويبدأ مشروعا صغيرا كان يخاف منه
أما فؤاد
فأغلق هاتفه لساعات وجلس مع زوجته التي أهملها سنوات
والمرأة المسنة
كانت أول من وصل إلى بيت ابنها
وحين فتح الباب لم تقل شيئا
فقط احتضنته
لأن بعض الاعتذارات أكبر من الكلمات
مرت الأيام
واجتمع الخمسة مرة أخرى أمام نفس المصعد
نظروا إليه وضحكوا
قال يوسف
غريب كيف يمكن لمكان صغير أن يغير حياة كاملة
رد عادل
ليس المصعد هو الذي غيرنا
بل اللحظة التي أجبرتنا أن نتوقف عن الهروب من أنفسنا
ثم دخلوا المصعد
لكن هذه المرة
لم يكونوا خمسة غرباء
كانوا خمسة أشخاص عرفوا أن الإنسان قد يحمل جبالا داخله
ولا يحتاج إلا لحظة واحدة
كي يجد من يساعده على حملها.
