مقال

تشهير وسخرية بالممر مئة واثني عشر

بقلم / محمد جابر

لقد اطلعت على العديد من الاخبار المتعلقة بهذه الواقعة وكذلك تابعت منصات التواصل الاجتماعي ووجدت ان كل شخص يدلي برأيه من منطلق فكره وأيضا من منطلق تخصصه وهذا امر محمود ولكن عند سرد هذا الخبر لماذا تعرض صورة تحكي المأساة ولماذا تفصل القصة من جديد وما فائدة أن نرى كل الناس في نفس ذات الوقت تنشر على صفحات التواصل نفس الموضوع وان كان هذا منطقيا لماذا يرفقون معها صورة الضحية الم يكن هذا تشهير ولماذا يلوم البعض التصرفات وفي الوقت نفسه يشاركها استقيموا يرحمكم الله ويمكنكم ركوب الترند دون استخدام فضائح الاخرين

بدءا من ذي بدء كل فترة تظهر على السطح حكاية تشغل الرأي العام وسرعان ما تأتي غيرها وتطغى على منصات التواصل وشاشات الاخبار ويبدو ان هذا هو المنحى السائد في ثقافتنا نلتقط المشهد الفجائي ونجعله مادة الترند ثم ننقل عنه بغير تدبر ولا تحليل ولكن تفرض بعض القضايا نفسها لأنها تمس قيم انسانية وأخلاقية عميقة وتستدعي تأمل اوسع في السلوك الجمعي وذاكرتنا الثقافية وكانت واقعة بنها واحدة من تلك الوقفات
الا انها اخدت منحي لا اري منه غير الشو الإعلامي

تداول رواد منصات التواصل مقاطع مصورة لواقعة شهدتها إحدى قرى مركز بنها بمحافظة القليوبية ظهر فيها شاب يتعرض للاعتداء والسخرية في مشهد أثار موجة واسعة من الغضب والاستنكار وتدخلت الجهات المعنية لفتح تحقيقات رسمية والاستماع إلى أطراف الواقعة وعرض المجني عليه على الفحص الطبي واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتهمين وفق ما تم تداوله اعلاميا الي هنا كلام جميل وكلام معقول لماذا نعيد نشر تلك الحكاية بهذا الشكل وتلك الصور وما فائدة هذا ثقافيا علي مجتمع يئن من قلة ذات اليد هل وصلنا لهذه الدرجة من التغييب والتغريب ام انها نفس العصفورة التي توارثناها من امنوحتب التاسع عشر

لم تكن هذه الحادثة معزولة فقد سبقتها في المحافظة ذاتها وقائع أخرى تنوعت بين مشاجرات انتهت بضحايا وحوادث تحرش واعتداءات أثارت جدل واسع وكل مرة يتجدد السؤال ذاته كيف يتحول الخلاف إلى عنف وكيف يصبح التشهير وسيلة للانتقام وكيف يتسابق البعض إلى النشر قبل التثبت ولماذا كل هذا الضجيج تساؤلات ادعي أنها مشروعة في ظاهرها لكنها تحمل بين ثناياها الكثير من الطيات التي تحتاج إلي وعي متكامل

الملاحظة اللافتة لم تكن في تفاصيل الواقعة وحدها بل في طبيعة التفاعل معها اذ تجاوز الامر حدود المطالبة بالعدالة إلى سيل من التعليقات الجارحة والسخرية والتشهير حتى صار الضحية مادة للتداول وكأننا نعيد إنتاج الاذى عبر الشاشات بعد أن وقع في الواقع

هذا النمط من التفاعل يكشف عن خلل أعمق يتعلق بثقافة الجمهور في التعامل مع الأحداث فبدل من البحث في الأسباب البنيوية من ضعف الوعي المجتمعي وغياب التربية المدنية قبل الدينية ومع أنتشار خطاب العنف يصبح الأسهل هو البحث عن كبش فداء نحمله كامل المسؤولية ثم نغلق الملف وننتظر الحكاية التالية

ان القانون يظل أداة اساسية لتحقيق العدالة لكنه لا يكفي وحده إذا لم يواكبه وعي ثقافي يحترم كرامة الإنسان وأشخاص تميز بعقلها وترفض تحويل المآسي إلى مادة للفرجة فالمجتمع الذي يكتفي بالعقاب دون مراجعة ذاته يظل يعيد إنتاج الجهل ويساهم إسهام مباشر في طمس الهوية وتغريب الوعي الجمعي

ان تداول الأيام بين الناس حقيقة لا جدال فيها فتلك سنة الله في الأرض لكن تداول القسوة على هذا النحو ينذر بأنفجار اخلاقي في الماضي القريب كنا نعيب علي التقليد الأعمى ولكن الآن نحن نبدع ونحن نقلد وندخل عادات وتقاليد وافكار الجاهلية ولا تحدثني عن حضارة سبعة آلاف عام ولكن حدثني عما وصلنا إليه الآن .بعد إن كنا في مصاف الأمم أصبحنا في مذيالها حيث تآكل الحس الإنساني الذي يفترض ان يكون خط الدفاع الأول عن كرامة الأفراد ولعل الدرس الأهم من واقعة بنها ليس في تفاصيلها بقدر ما هو يوضح أننا أصبحنا جلادين ولسنا رحماء ومصفقين ولسنا مثقفين يبحثون عن جوهر الحقيقة التي تحاكي اليقين بعلمه وتسبقها عين اليقين بفعلها ليصل حق اليقين الي قلب كل متدبر

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *