تربية المسلم على أن يحيا بالعقيدة
بقلم/ محمـــد الدكـــروري
تدبر أخي المسلم معي ما قاله هذا الحكيم ” من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد أثله أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم أقتبسه فقد عق يومه وظلم نفيه ” ولقد طبق مفهوم أهمية الوقت في صدر الإسلام ومن ذلك ما ذكره الإمام الطبراني في الجامع الكبير، فعن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي ما يمنعك أن تغرس أرضك ؟ فقال له أبي أنا شيخ كبير أموت غدا فقال له عمر أعزم عليك لتغرسنها، فقال عمارة فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي ” وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم عن نعيم بن حماد قال قيل لابن مبارك إلى متى تتطلب العلم ؟ قال حتى الممات إن شاء الله ” فلتحسن أخي المسلم إستغلال وقتك فيما يعود عليك وعل أمتك بالنفع في الدنيا ولآخرة فما أحوج الأمة إلى رجال ونساء يعرفون قيمة الوقت ويطبقون ذلك في الحياة.
وإن فقهاء التربية الإسلامية يقومون بتربية المسلم على أن يحيا بالعقيدة، ويعيش لها ويجاهد من أجلها، ويضحى في سبيل ذلك بماله ونفسه، ويؤثر حب الله عز وجل على كل حب، كما أمر الله عز وجل، ولا تتسرب إليه صور الشرك الخفية من الشرك بالأرض، والشرك بالجنس، والشرك بالقوم والشرك بالنسب، والشرك بالمنافع الصغيرة القريبة، تلك التي يجمعها الله سبحانه في آية واحدة فيعضها في كفة، ويضع الإيمان في كفة أخرى، ويدع للناس الخيار، وكما أن فقهاء التربية الإسلامية يؤكدون على أن انهيار الأمم، إنما يكون بإفلاسها في عالم القيم لأن هذه القيم تؤثر في مجمل جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للأمة، وفي ظلالها تترقى الحياة الإنسانية ترقيا صحيحا وتنمو نموا سليما ولذلك فلا بد من تربية أفراد الأمة على القيم الإسلامية من الحرية وحب العمل ونصرة الحق وغيرها.
ولا بد أن تتمركز الحرية في قلب نظام القيم في الأمة، لأن غياب الحرية في حقيقته هو غياب التوحيد، وحقيقة التوحيد أن لا يخشى الإنسان الموحد إلا الله، ولذلك فسر الطبري قوله تعالى ” لا يشركون بي شيئا ” بأن معنى لا يشركون بي شيئا هو أنهم لا يخافون غيري من جبابرة السلاطين والأشخاص، وإن التربية الإسلامية هي التي أنجبت في عصور التطبيق الإسلامي أفرادا تثور ثائرتهم على الولاة المقربين إذا هتكوا حرية أحد الرعية الذميين، وتنفجر قداسة الحرية على ألسنتهم متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا في الوقت الذي تعمل سياطهم تأديبا لمن اغتصبوا هذه الحريات، وحين هجرت التربية الإسلامية رعاية قيمة الحرية، مرت على الأمة قرون كاملة من اغتصاب الحريات دون حس أو شعور، وهذا يضع على التربية الإسلامية مسؤولية كبيرة، في تنمية تعشق الحرية ونصرتها والغيرة عليها.
والدفاع عنها إذا انتهكت كالغيرة على الأعراض والحرمات، ويتفرع عن ذلك تنمية الوعي بقيمة التعبير عن الرأي، لأن الأمة التي يوجهها الوعي بقيمة النقد الذاتي أمة تتمتع بالصحة والعافية، ولا تتراكم عليها آثار الممارسات الخاطئة، حتى تتفجر في فتن مدمرة، تأتي على كيان الأمة دفعة واحدة ولا بد للتربية الإسلامية، أن تدرب أفراد الأمة على ممارسة كل من حرية الرأي، والنقد الذاتي، بحيث تنطبق عليها المواصفات التي توجه إليها أمثال قوله تعالى ” وقولوا للناس حسنا” وقوله عز وجل ” وجادلهم بالتي هي أحسن” وقوله سبحانه ” وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا” وبذلك لا يتحول النقد أو التعبير عن الرأي إلى سباب ومهاترات، تزرع الأحقاد، وتبذر الفتن، وإنما يقوم على تشخيص الظواهر الاجتماعية، وتحليل مقدماتها ونتائجها بغية التعرف على الممارسات الخاطئة للتوبة منها، وإكتشاف الصحيحة للرجوع إليها.


