مقال

بين أسطورة ” الغلابة ” ونائبات “التوك شو” سوسن الكيلانى عندما كان المقعد خدمة لا وجاهة

بين أسطورة ” الغلابة ” ونائبات “التوك شو” سوسن الكيلانى عندما كان المقعد خدمة لا وجاهة
بقلم : ماهر عبد الباقي

بينما نراقب اليوم تحت قبة البرلمان وجوهاً نسائية باهتة تتسم بالأداء المعلب والحضور الديكوري وجوه جاءت بها رياح القوائم المطلقة وصكوك القرابة والمال السياسي لا يملك المواطن إلا أن يصرخ بأعلى صوته ندماً على ضياع هيبة النائب ويتحسر بمرارة على زمن كانت فيه المرأة تحت القبة تزلزل الأرض بكلمتها وتنتزع الحقوق بمخالب الخدمة لا ببريق المجوهرات والماركات الكاذبة وألوان تزين الوجوه.

فى المشهد البرلماني الحالي نعيش زمناً غريباً حيث تحول مقعد الشعب إلى عزبة خاصة تفرض أسماء بعينها على الشعب لم يسمع عنها إلا في كشوف الوراثة أو القوائم المطلقة نرى اليوم وجوهاً نسائية شابه تحت القبة بلا تاريخ سياسي وبلا رصيد خدمي وبلا أدنى خبرة بمواجع الشارع نائبات جاءت بهن الصدفة الطبقية لكونهن بنات لرجال أعمال أو زوجات لمسؤولين أو وريثات لنواب سابقين هؤلاء النائبات اللواتي يجهلن أبسط قواعد العمل البرلماني ويختفين خلف جدران القصور والكمبوندات الفارهة تاركين المواطن في مهب الريح. وسط هذا الركام نتذكر

اسم الراحله أم الغلابه سوسن الكيلانى الغائبة عن العيون الحاضرة في الوجدان صرخة في وجه هذا العبث لتذكر الجميع أن مقعد البرلمان كان يوماً ما ملكاً لامرأة لم تشتريه بالمال أو تركه موروثه بل إنتزعته بالجدعنه وحب الشعب لقد صنعت مجدها بخدمة الناس لا بصكوك الملكية ​
إننا حقا نعيش زمن نائبات الصدفة اللواتي يظن البعض منهن أن المقعد البرلماني هو عزبة خاصة أو إرث عائلي يُورث من الأب أو الزوج أو يشترى بتمويل الحملات بالمال السياسي القذر .

الراحله سوسن الكيلانى الملقبه بأم الغلابة لم تأتي بقرار من غرفة مغلقة بل جاءت بقرار من الشارع.
ولدت أم الغلابه في بيئة مصرية أصيلة وشكل تعليمها حجر الأساس لشخصيتها القيادية وقدرتها على التعامل مع الملفات المعقدة خريجة ليسانس أداب عام ١٩٦٣ جامعة القاهرة وهو ما صقل لسانها بالبلاغة وقلبها بالإنسانية فكانت شهادتها الحقيقية هي دكتوراه في جبر خواطر المكسورين والمقارنة هنا ليست فقط في الأداء بل في المؤهل الأخلاقي والسياسي ف سوسن الكيلاني رحمة الله تعالى عليها لم تكن ابنة رجل أعمال مول القائمة بل كانت ابنه مصرية أصيلة آمنت بأن النائب هو خادم بدرجة زعيم وليس هانم تأنف من مصافحة البسطاء أو سماع شكواهم كانت أم الغلابه حكومة في شكل امرأة ملحمه ​تاريخيه في العمل السياسي والبرلماني كانت مؤسسة كاملة لم تقفز بالمظلة على البرلمان بل خاضت وحل المجالس المحلية وسط أباطرة رجال السياسة وتدرجت فيها حتى أصبحت وكيلة المجلس المحلي للمحافظة فكانت تحفظ خريطة فقر ومشاكل الإسماعيلية عن ظهر قلب ​في الوقت الذي تعجز فيه نائبات الوراثة اليوم عن توفير وظيفة لعامل واحد كانت سوسن الكيلاني تفتح أبواب شركات القناة والبترول والكهرباء لآلاف الشباب لم يكن نفوذها للوجاهة بل كان سلاحاً لفتح البيوت المغلقة منزلها كان القبلة التي لا تُرد سائلاً كانت تنهي أزمات العلاج على نفقة الدولة بتليفون واحد في الوقت الذي يرتجف فيه البعض أمام أصحاب النفوذ كانت سوسن الكيلاني رحمها الله تقتحم مكاتب الوزراء لانتزاع ميزانية لرصف طريق أو توفير جهاز أشعة لمستشفى عام مستندة إلى ظهير شعبي كان يحميها أكثر من حصانتها البرلمانيه كان المسؤولين يعلمون أن خلفها جيشاً من الغلابة يحميها لا قائمة تحميها.

​ما نشهده اليوم من أداء برلماني وعلى مدار ثلاث دورات برلمانية من عام ٢٠١٥ حتى الآن هو تدهور تاريخي بكل المقاييس نائبات القائمة يكتفين بالظهور في الصور الرسمية وحضور المؤتمرات وحفلات الشاي والتصويت بالموافقة دون حتى فهم ما يدور تحت القبة.
​الفارق شاسع سوسن الكيلاني رحمة الله عليها كانت تخوض معارك لتوفير رغيف الخبز وحياة كريمة بينما نائبات اليوم يخضن معارك في تنسيق ألوان ملابسهن ووضع المكياج والعطور وضمان البقاء في الكادر الإعلامي لا يشعرن بلسعة الأسعار ولا بمرارة البحث عن سرير في مستشفى عام لأنها ولدت وفي فمها ملعقة حصانة تحميها خلف أسوار العزبة الموروثه منعزلة داخل القصور والكمبوندات ولا يظهرن في الشارع إلا في الافتتاحات الرسمية لالتقاط الصور وسط أسطول من الجرادات والحراسات الخاصة وسكرتارية وسيارات مظللة لا يعرف المواطن كيف يصل إليهن وإذا وصل يجد تعالياً لا يليق بمن يفترض أنها وكيله عن الشعب لقد تحول المقعد من تكليف لخدمة الناس إلى وجاهة اجتماعية ولقب يُضاف للبروفايل الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي بينما يغرق المواطن في همومه ولا يجد من يسمعه.

أما سوسن الكيلاني رحمة الله عليها كان منزلها في الإسماعيلية هو دار الشفاء ومكتب العمل وملجأ للمظلومين كانت حياة أم الغلابة العامة والخاصة واحدة لا حواجز ولا حراسات ولا مواعيد مسبقة لمن ضاقت به السبل استخدمت حصانتها لتقتحم المكاتب وتنتزع حقوق أبناء محافظتها كانت المرأة الحديدية التي يخشى المسؤول تقصيره أمامها.
كان المقعد البرلماني الذي جلست عليه سوسن الكيلاني رحمها الله لخمس دورات متتالية منذ عام ١٩٧٩ وعلى مدار ٢٢ عاماً متصله هو مقعد مقدس عند أهالي الإسماعيلية لا يشغله إلا من يمتلك قلب أم الغلابة
التى تقلدت العديد من المناصب فى مجلس الشعب كان أهمها أمين سر لجنة التعليم والقوى العاملة وعضو لجنة الصداقة البرلمانية المصرية اليابانية ونائب رئيس منظمة البرلمانيات المسلمات عن منطقة الشرق الأوسط بخلاف تقلدها مناصب سياسية واجتماعية كرئيس جمعية سيدات الاسماعيليه ومقرر المجلس القومي للمرأة وعضو مجلس إدارة نادي الاسماعيلي وعضو مجلس إدارة المستشفى العام ورئيس لجنة رعاية الأطفال مجهولي النسب.
إن محاولات تحويل البرلمان إلى نادي للأقارب وبنات العائلات اليوم هي طعنة في قلب العمل السياسي الشريف.

​ستظل سوسن الكيلاني هي الأيقونة وسيظل ذكرها باقياً في كل بيت دخله جواب تعيين من مكتبها أو قرار علاج بتوقيعها.
أما نائبات العزبة الموروثة فسيذكرهن التاريخ فقط كمثال صارخ على زمن ضاعت فيه قيمة التمثيل النيابي وتحول إلى وجاهة اجتماعية خاوية من المضمون والأثر.
إن المقعد الذي جلست عليه سوسن الكيلاني لن يكون يوماً مهراً لبنات المسؤولين أو جائزة ترضيه لزوجاتهم .
لم تنسى الإسماعيلية من مسح دمعتها ولا تغفر لمن يتاجر بألامها في برامج التلفزيون.
ستظل أم الغلابة هي الأصل وستظل نائبات الباراشوتات والقوائم المطلقة مجرد هوامش في كتاب تاريخ لن يذكر سوى من أخلص للناس.
رغم رحيل سوسن الكيلاني عن عالمنا لكن ذكراها لا يزال حاضراً في أحاديث أهالي الإسماعيلية. يُنظر إليها اليوم كنموذج للمرأة المصرية التي استطاعت أن تدمج بين العمل السياسي والعمل الخيري ببراعة تاركة خلفها سيرة ذاتية عطره بمواقف الشهامة وجدعنة بنت البلد .
تاريخ أم الغلابه سوسن الكيلانى المرأة التي علمتنا أن البرلمان هو محراب للخدمة وليس سوقاً للوجاهة والمنظرة لابد أن يكتب عنها مجلدات تدرس للأجيال القادمة في النهاية لم يتبقى سوى الدعاء بالرحمه والمغفره لرمز العطاء أم الغلابه سوسن الكيلانى رحمة الله تعالى عليها…

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *