مقال

بعد الطلاق: من يربح المعركة… ومن يدفع الثمن؟


بقلم د.سوهير الطويل
استشاري نفسي واسري وتربوي

ليس الطلاق في الإسلام إعلان حرب، ولا شهادة خصومة أبدية، ولا رخصة لإهدار المعروف أو تدمير ما تبقّى من إنسانية بين طرفين جمعهما يومًا ميثاق غليظ.
الطلاق شُرع حين تستحيل العِشرة، لا حين تستحيل الرحمة.
هناك نماذج إنسانية راقية لآباء وأمهات انفصلوا زوجيًا، لكنهم بقوا شركاء في المسؤولية، متفقين على أن الأطفال ليسوا غنيمة حرب، ولا أدوات ضغط، ولا وسيلة انتقام.
نماذج يفهم فيها الطرفان أن الأبوة والأمومة لا تُلغى بورقة طلاق، وأن الحفاظ على نفسية الأبناء وأمانهم العاطفي مقدَّم على كل جرح شخصي أو خلاف سابق.
في هذه النماذج، يعيش الأطفال في استقرار نسبي، يعرفون أن لهم أبًا حاضرًا وأمًا حاضنة، وأن الخلاف انتهى عند حدوده الطبيعية، دون تشويه، ولا تحريض، ولا كراهية مورَّثة.
قد تتغيّر البيوت، لكن لا تتكسّر القلوب.
هذا هو الطلاق كما أراده الإسلام:
طلاق لا يُفسد المعروف، ولا يُطفئ المروءة، ولا يُسقط المسؤولية.
طلاق يضع مصلحة الأطفال أولًا، ويُبقي الحد الأدنى من الاحترام، حتى وإن انتهى الحب.
لكن المؤلم أن مرحلة ما بعد الطلاق، في كثير من مجتمعاتنا، تتحول إلى ساحة صراع مفتوح، تُستدعى فيها المحاكم لا لاسترداد الحقوق بل لتعطيل حياة الآخر، ويُستدعى فيها الأهل لا للإصلاح بل للتأجيج، ويُستَخدم فيها الأطفال كورقة ضغط، في مشهد بعيد كل البعد عن الدين والأخلاق.
مع أن الله تعالى وضع ميزانًا واضحًا لا لبس فيه:
{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}
وقال سبحانه: {ولا تنسوا الفضل بينكم}
فالطلاق نهاية علاقة زوجية، لا نهاية إنسانية، ولا سببًا للقطيعة والعداوة بين الأسر.
الرجل الذي يلتف على طليقته في المحاكم، ويكذب، ويأتي بشهود زور، ويمنع حقوقًا أقرها الشرع، لا ينتصر… بل يخاصم ربه قبل أن يخاصمها، ويؤذي أولاده قبل أن يؤذيها.
والمرأة التي تستخدم أبناءها وسيلة ضغط، أو تحرمهم من أبيهم انتقامًا أو طمعًا، لا تنتقم من رجل، بل تزرع في قلوب أطفالها جراحًا لا تُشفى، وتحمل وزرًا عظيمًا أمام الله.
إن مرحلة ما بعد الطلاق مرحلة كاشفة، يظهر فيها المعدن الحقيقي للناس:
فيها نعرف من يحكمه الوعي، ومن تقوده الأحقاد؛
من يختار الرحمة، ومن يختار الخراب.
وما أحوجنا اليوم إلى إعادة فهم الطلاق فهمًا ناضجًا، يردّه إلى مكانه الطبيعي:
حلّ أخير… بأقل خسائر ممكنة،
وبأكبر قدر من الإحسان.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *