مقال

بأجهزتنا السيادية… حين تُدار الأوطان بالعقل لا بالضجيج


بقلم : رجب كمال

ليست قوة الدول في صخب خطاباتها، ولا في وفرة شعاراتها، بل في قدرتها على حماية ذاتها بهدوء، وعلى إدارة المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات. فالدولة العاقلة لا تنتظر الخطر عند أبوابها، بل تراه وهو فكرة، وتُفككه وهو نية، وتُجهضه قبل أن يرتدي ثوب الواقع.

من هذا المعنى العميق، تحيا الجمهورية المصرية العظمى بأجهزتها السيادية؛ تلك التي لا تعمل في الضوء طلبًا للمجد، بل في الظل حفاظًا على الوطن. أجهزة لم تُنشأ للهيمنة، بل للصون، ولم توجد لاستعراض القوة، بل لضمان بقاء الدولة متماسكة في عالمٍ لا يعترف إلا بالأقوياء الواعين.

الأجهزة السيادية ليست كيانًا منفصلًا عن الشعب، بل امتداد لوعيه التاريخي، وتجسيد لفلسفة الدولة التي تفهم أن الأمن ليس نقيض الحرية، وإنما شرطها الأول. فلا حرية في دولة مُخترقة، ولا كرامة في وطنٍ مستباح، ولا تنمية بلا استقرار تحرسه عقول يقظة وأيادٍ أمينة.

لقد تغيرت طبيعة الصراعات، فلم تعد الحروب تُعلن دائمًا، ولا التهديدات ترتدي الزي العسكري. بات الخطر أكثر خبثًا؛ يتسلل عبر الشائعة، ويتخفى في خطاب، ويُزرع في وعيٍ مأزوم. وهنا تظهر قيمة الدولة العميقة التي تُدير المشهد بعقل استراتيجي، لا بردود أفعال، وتُجيد قراءة ما بين السطور قبل أن يتحول المكتوب إلى فوضى.

تحيا مصر لأن هناك رجالًا يعملون في صمتٍ واعٍ، يدركون أن البطولة الحقيقية لا تبحث عن الأضواء، وأن التضحية لا تحتاج تصفيقًا. رجال اختاروا أن يكونوا الحصن غير المرئي، والسياج الذي إن غاب، انكشفت الدولة على مصراعيها. إنهم لا يكتبون التاريخ بأسمائهم، لكنهم يمنعون سقوط صفحاته.

إن أخطر ما يُصيب الأوطان ليس العدو الخارجي، بل اهتزاز الثقة في مؤسساتها الحامية. ومصر، عبر تاريخها، فهمت هذه القاعدة جيدًا، فصانت أجهزتها السيادية كصمام أمان للدولة، ودرعٍ يحمي حاضرها، وبوصلة توجه مستقبلها.

الجمهورية المصرية العظمى لا تقوم على القوة المجردة، بل على توازن دقيق بين الحزم والحكمة، وبين اليقظة والمسؤولية. دولة تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى يكون الصمت أبلغ من ألف خطاب.

وبأجهزتنا السيادية، تحيا مصر لا كحدودٍ مرسومة على الخرائط، بل كفكرةٍ راسخة، ودولةٍ عصيةٍ على الانكسار، ووطنٍ يُدار بالعقل… لا بالضجيج.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *