قصص

اَلْيَتِيمُ

اَلْيَتِيمُ
بقلمي علي بدر سليمان -الجزء الثالث-

عائدة (تتحول ملامحها فجأة إلى الجمود، وتقاطعه بنبرة حادة): كفى! كفاك حديثاً عن الأطفال.
باسم (يعتدل في جلسته مستغرباً): ما بكِ يا عزيزتي؟
لِمَ يزعجكِ حديثي؟
عائدة (بعيون مليئة بالعتب المكتوم): تتحدث عن تلك الصغيرة وشغفك بها يملأ نبراتك، وكأنك تذوب حبّاً في الأطفال!
باسم (يبتسم بدهشة): ومن قال لكِ إنني جاحد بجمال الطفولة أو أكره الصغار؟
عائدة (بمواجهة مباشرة): أفعالك ومواقفك هي ما ينطق بذلك.
باسم (يطلق ضحكة قصيرة باهتة لتغطية ارتباكه): عجبًا!
ومن أين تأتين بهذه الظنون والاتهامات؟
عائدة (بنبرة منكسرة): كم مرة رجوتك وتوسلت إليك أن ننجب طفلاً يملأ علينا هذا الفراغ، وكنت في كل مرة تواجه رغبتي بالرفض القاطع والصدود؟
باسم (يزفر تنهيدة ثقيلة تلخص عبء الوجود): أوه.. ها أنتِ تفتحين مجدداً باباً لحديث لا ينتهي! ألا تملّين تكرار هذا السؤال؟
يا عائدة، أنا لا أكره الأطفال كفكرة، لكنني أخشى المسؤولية بمفهومها الفلسفي والأخلاقي. كيف لي أن آتي بطفل بريء إلى هذا العالم، ليفتح عينيه على بؤسنا وفقرنا المدقع؟
لا أريد أن ينمو طفلنا في حرمان، ليعود إلينا يوماً باللوم والتشكي، ويشتمنا لأننا كنا السبب في جرّه إلى جحيم هذه الحياة دون ذنب منه!
عائدة (بنبرة يملؤها الإيمان والرجاء): لكنك تنظر إلى الحياة بعين يائسة يا عزيزي.
من يدري؟ لعل في قدومه تتغير المقادير، ويسوق الله معه رزقاً وفيراً يقلب بؤسنا نعيماً، ويتبدل حالنا كلياً.
فالأطفال يغيرون وجه العالم دائماً.
باسم (يصمت لبرهة، يتأمل كلماتها، ثم يقول بهدوء): حسناً.. دعي هذه المسألة للأيام، سأعيد التفكير في هذا الأمر ملياً.
عائدة (تشرق ملامحها بارتياح): هذا كل ما أرجوه. سأذهب غداً صباحاً لزيارة جيراننا الجدد وأقوم بواجب الترحيب بهم.
باسم: لا بأس في ذلك، اذهبي ولكن أوصيكِ ألا تطيلي الغياب؛ فالبيت موحش بدونكِ.
عائدة (تبتسم بحنان): لن أتأخر، نم هانئاً يا زوجي العزيز
ولا تقلق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى