
بقلم د . هاني المصري
في اليوم العالمي للصحافة، لا يكفي أن نحتفي بحرية التعبير، بل يجب أن نواجه السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما زالت الصحافة تنقل الحقيقة كما هي، أم أصبحت طرفًا فاعلًا في تشكيلها؟ في زمن تتعدد فيه الروايات وتتنافس فيه المصالح، لم يعد الخبر مجرد معلومة، بل أصبح أداة تأثير قد تُستخدم لتوجيه الرأي العام أو حتى تحريك الصراعات.
لم تعد القضية في أن بعض الوسائل الإعلامية قد تنقل معلومات غير دقيقة، فذلك جزء من أخطاء بشرية يمكن تصحيحها، لكن الإشكالية الأعمق تكمن في أن كثيرًا من المحتوى الإعلامي يُبنى اليوم على انتقاء مدروس، وعلى زوايا رؤية محددة، وعلى سرديات تُصاغ بعناية لتقود الجمهور إلى استنتاج معين دون أن يشعر بأنه تم توجيهه. فالحقيقة لا تُخفى بالضرورة، بل قد تُجزأ، أو يُعاد ترتيبها، أو يُسلّط الضوء على جانب منها دون آخر، حتى تتشكل صورة تبدو مكتملة، لكنها في جوهرها منقوصة أو منحازة. وهنا، لا يكون الإعلام كاذبًا بالمعنى التقليدي، بل يصبح أكثر خطورة، لأنه صادق جزئيًا، وموجّه كليًا.
في هذا السياق، يبرز مفهوم “تشكيل الوعي” كأحد أخطر الأدوار التي قد تلعبها الصحافة الحديثة، إذ لم يعد الهدف دائمًا هو إبلاغ الجمهور بما يحدث، بل التأثير على كيفية فهمه لما يحدث، وعلى ما يجب أن يهتم به، وما يمكن تجاهله. ويتم ذلك عبر أدوات دقيقة تبدأ من اختيار العناوين، وتمر بطريقة صياغة الخبر، ولا تنتهي عند توقيت النشر وتكرار الرسائل. ومع تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية، أصبحت خوارزميات الانتشار تضيف طبقة جديدة من التأثير، حيث يتم تضخيم محتوى معين لأنه يحقق تفاعلًا أعلى، لا لأنه أكثر دقة أو أهمية، وهو ما يجعل الحقيقة نفسها خاضعة لمعادلات السوق والانتباه.
ولا يمكن فصل هذا التحول عن شبكة المصالح التي تحيط بالعمل الإعلامي، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، إذ أصبح من الصعب تجاهل تأثير التمويل والاصطفافات على طبيعة ما يُنشر وما يُحجب. وفي ظل هذا الواقع، قد تتحول بعض المنصات الإعلامية—بقصد أو دون قصد—إلى أدوات ضغط، أو إلى منصات تُستخدم في تصفية الحسابات، أو حتى في تحريك الرأي العام باتجاهات تخدم أطرافًا بعينها. وهنا، يصبح الحديث عن “الحياد” أكثر تعقيدًا، لأنه لم يعد مجرد التزام مهني، بل معركة يومية بين القيم والمصالح.
ومع ذلك، فإن هذا المشهد لا يخلو من مفارقة لافتة، إذ أنه في الوقت الذي تتزايد فيه الشكوك حول مصداقية بعض وسائل الإعلام، يتزايد أيضًا اعتماد الجمهور عليها، ولكن بشكل مختلف، حيث لم يعد المتلقي يكتفي بمصدر واحد، بل يتنقل بين مصادر متعددة، ويقارن، ويشكك، ويحاول أن يعيد بناء الحقيقة بنفسه. هذا التحول منح الجمهور قدرًا من القوة، لكنه في الوقت نفسه وضعه أمام مسؤولية أكبر، لأن القدرة على الوصول إلى المعلومات لا تعني بالضرورة القدرة على فهمها أو تقييمها.
في النهاية، تظل الصحافة سلاحًا ذا حدين؛ يمكن أن تكون أداة لبناء الوعي وتعزيز الحقيقة، كما يمكن أن تتحول إذا غابت الضوابط إلى وسيلة للتأثير الموجّه. ويبقى الرهان الحقيقي على وعي القائمين عليها، وقدرتهم على التمسك بقيم المهنة في مواجهة الضغوط والتحديات.

