مقال

النفوذ الإيرانى.. توازن ردع أم احتلال؟


بقلم الأديب المفكر:
د كامل عبد القوى النحاس

إيران ومحور المقاومة: نفوذٌ سياسي أم ضرورة فرضتها موازين الصراع؟

يتكرر في الخطاب السياسي والإعلامي الحديث عن ما يسمى بـالتوسع الإيراني في الشرق الأوسط،
وغالبًا ما يُقدَّم هذا المفهوم بوصفه مشروعًا للهيمنة والسيطرة على دول المنطقة.

غير أن قراءة أكثر هدوءًا لتاريخ الصراع في الشرق الأوسط تكشف أن الصورة أكثر تعقيدًا من هذا التوصيف المبسط،
وأن جزءًا مهمًا مما يُسمى بالنفوذ الإيراني نشأ في سياق موازين قوى مختلة فرضها استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتراجع قدرة بعض الدول العربية على إدارة الصراع معه.

فالتمييز بين النفوذ السياسي الناتج عن التحالفات وبين الاحتلال العسكري المباشر يظل أمرًا ضروريًا لفهم ما يجري.

فالدول تبني بطبيعتها دوائر تأثير خارج حدودها

لكن الفارق الجوهري يبقى في طبيعة هذا التأثير:

هل هو احتلال للأرض والسيادة، أم دعم وتحالفات نشأت في إطار صراع مشترك؟

ضعف الدولة وصعود المقاومة

في لبنان، لم يكن الجيش النظامي – بحكم تركيبته السياسية وتعقيدات الواقع الداخلي – قادرًا على خوض مواجهة طويلة مع إسرائيل أو تحرير الجنوب المحتل.

ومن هنا نشأت المقاومة اللبنانية التي كان أبرز تعبيراتها حزب الله، والذي استطاع بعد سنوات من المواجهة أن يفرض انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000.

ومن المهم التذكير بأن هذا الانسحاب لم يتحقق عبر الجيوش النظامية للدول العربية،
بل عبر مقاومة محلية نجحت في جعل الاحتلال مكلفًا.
وفي هذا السياق لعب الدعم الإيراني دورًا مهمًا في تمكين هذه المقاومة من تطوير قدراتها وتعزيز قدرتها على الصمود أمام التفوق العسكري الإسرائيلي.

المقاومة الفلسطينية وتوازن الردع

الأمر ذاته يمكن ملاحظته في الحالة الفلسطينية. فإسرائيل، بما تمتلكه من تفوق عسكري وتكنولوجي كبير، كانت قادرة نظريًا على فرض سيطرة كاملة على الأراضي الفلسطينية دون كلفة تُذكر.
غير أن استمرار المقاومة حال دون تحقيق هذه الهيمنة المطلقة.

ويرى كثير من الباحثين أن انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005 جاء في سياق تصاعد المقاومة التي جعلت استمرار الاحتلال المباشر مكلفًا.
كما اضطرت إسرائيل إلى التعامل مع واقع سياسي جديد تمثل في قيام السلطة الفلسطينية كصيغة من صيغ الحكم الذاتي، وإن ظل هذا النموذج محدود الفاعلية.

وقد ساهم الدعم الإيراني لبعض فصائل المقاومة في تعزيز قدرتها على تطوير وسائل القتال غير المتكافئ، الأمر الذي مكّنها من إحداث قدر من الردع النسبي في مواجهة التفوق الإسرائيلي.

شبكة الدعم الإقليمي للمقاومة

مع مرور الوقت تشكلت شبكة إقليمية من القوى التي تتبنى دعم المقاومة، امتدت من لبنان إلى العراق واليمن.
وقد برز أثر هذا الدعم في تطوير قدرات المقاومة الفلسطينية، التي استطاعت عبر سنوات من التدريب وتطوير القدرات الذاتية في تصنيع السلاح أن تعزز قدرتها على الصمود في المواجهات الكبرى.

ويرى أنصار هذا المحور أن الصمود الذي أظهرته المقاومة الفلسطينية في المواجهات الأخيرة، ومنها أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها، لم يكن ليحدث دون هذا الدعم الإقليمي الذي وفر خبرات عسكرية وتقنية تراكمت عبر سنوات من الصراع.

البعد المصري في معادلة الصراع

ومن زاوية أخرى، يرى بعض المحللين أن انشغال إسرائيل بجبهات المقاومة المدعومة إقليميًا ساهم – بدرجة غير مباشرة – في إعادة تشكيل أولوياتها الاستراتيجية.

فقد اضطرت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة إلى توزيع قدراتها العسكرية بين جبهات متعددة، الأمر الذي شغلها عن التركيز الكامل على موازين القوة التقليدية في المنطقة.

وفي هذا السياق، تذهب بعض التقديرات إلى أن هذا الانشغال أتاح لمصر هامشًا أوسع لتعزيز قدراتها العسكرية وإعادة بناء منظومة ردعها الإقليمي، وهو ما ظهر بوضوح في الموقف المصري الصارم في مواجهة مشاريع التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة،
حيث برزت القاهرة بوصفها طرفًا قادرًا على فرض خطوطا حمراء واضحة في معادلة الصراع.

النفوذ الإيراني في العراق واليمن
أما في العراق، فإن النفوذ الإيراني جاء في سياق التحولات التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003،
حين أدى انهيار مؤسسات الدولة إلى ظهور فراغ سياسي وأمني واسع.

وفي ظل هذا الواقع نشأت علاقات قوية بين إيران وبعض القوى السياسية والعسكرية العراقية، خاصة في سياق الحرب ضد تنظيم داعش.

وفي اليمن، تشكلت العلاقة بين إيران وجماعة الحوثي في إطار صراع إقليمي معقد تفاقم مع اندلاع الحرب اليمنية وتدخل التحالف العسكري بقيادة السعودية.
وقد أصبح الدعم الإيراني أحد عناصر موازين القوة في هذا الصراع الممتد.

بين الحصار والبحث عن عمق استراتيجي

على مدى عقود، واجهت إيران عقوبات اقتصادية وسياسية واسعة، كما شهدت المنطقة انتشار قواعد عسكرية أجنبية قريبة من حدودها.

وفي ظل هذه البيئة الأمنية المعقدة سعت طهران إلى بناء شبكة من التحالفات الإقليمية توفر لها نوعًا من العمق الاستراتيجي.

ومن هذا المنظور يرى بعض المحللين أن النفوذ الإيراني في المنطقة لم يكن مجرد مشروع توسعي،
بل كان في جانب منه استراتيجية دفاعية تهدف إلى كسر العزلة وتوفير هامش أمان إقليمي في بيئة دولية مضطربة.

النفوذ وتوازن القوة

في المحصلة، يبدو أن فهم الدور الإيراني في الشرق الأوسط يتطلب قراءة أكثر توازنًا للمشهد الإقليمي، بعيدًا عن الاختزال في مفهوم التوسع.
فالصراع في المنطقة يتداخل فيه الاحتلال الإسرائيلي مع صراعات النفوذ الإقليمي والدولي، كما تتقاطع فيه مصالح دول عديدة.

لكن ما يبدو واضحًا أن الدعم الإيراني لبعض قوى المقاومة أسهم بدرجات متفاوتة في إحداث قدر من التوازن في ميزان القوة، وهو توازن حال دون تحول إسرائيل إلى قوة مهيمنة بلا منافس في المنطقة.

ومن هنا يظل السؤال مفتوحًا:

هل ينبغي قراءة النفوذ الإيراني بوصفه مشروع هيمنة إقليمية؟
أم باعتباره أحد العوامل التي أسهمت في كبح التفوق الإسرائيلي المطلق وإعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط؟

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *