مقال

النسخ .. ليس الخيار المفضل

 

بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس

التمهيد

بعد أن تبين لنا أن كثيرًا مما نُسب إلى النسخ في كتب المتقدمين كان راجعًا إلى اتساع مدلول المصطلح، أو إلى إدخال البيان والتخصيص والتقييد فيه، أصبح من الطبيعي أن يبرز سؤال جديد:

إذا بدا للعلماء أن بين نصين اختلافًا، فهل كانوا يسارعون إلى القول بأن أحدهما نسخ الآخر؟

والجواب: لا.

بل إن النسخ لم يكن عندهم أول طريق لفهم النصوص، وإنما كان آخر ما يُلجأ إليه بعد استنفاد جميع وسائل الجمع والتوفيق.

ولم يكن هذا المنهج ثمرة احتياط فقهي فحسب، بل تأسس على أصل إيماني وعلمي عظيم، وهو أن الوحي كله صادر عن مصدر واحد، هو الله سبحانه وتعالى، وأن الحكيم العليم لا يمكن أن يقع في كلامه تناقض حقيقي، كما أن رسول الله ﷺ لا ينطق في تبليغ الدين إلا بالحق الذي أوحاه الله إليه.

ولهذا كان العلماء إذا بدا لهم تعارض بين نصين، لم يشكوا في النصوص، وإنما راجعوا طرائق فهمهم لها، لأنهم كانوا على يقين بأن الخلل إنما يقع في إدراك الإنسان، لا في الوحي نفسه.
ويشهد لهذا الأصل قول الله تعالى:
﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ [النساء: 82].

فالآية الكريمة لا تنفي أن يرى الإنسان لأول وهلة ما يظنه اختلافًا، لكنها تنفي وجود التناقض الحقيقي الذي يستحيل معه اجتماع النصوص.

ومن هنا كان التدبر هو مفتاح الفهم، وكان الجمع بين الأدلة هو أول طريق يسلكه العلماء، لا البحث عن إلغاء أحد النصين.

لقد كانوا ينظرون إلى نصوص الوحي كما ينظر البنّاء الماهر إلى أحجار البناء؛ فكل حجر له موضعه الذي يكتمل به البناء، وليس من الحكمة أن يُزال حجر حتى يُتيقن أنه لم يعد له موضع.

ومن هنا نشأت واحدة من أعظم القواعد الأصولية التي حفظت للشريعة توازنها عبر القرون.

أولًا: الجمع بين الأدلة هو الأصل
قرر العلماء قاعدة أصبحت من أعظم قواعد الفقه وأصوله، فقالوا:

الجمع بين الأدلة أولى من القول بالنسخ.

ومعناها أن المجتهد إذا وجد نصين يبدو بينهما اختلاف، فإن واجبه الأول أن يبحث عن وجه يمكن أن يعمل بهما جميعًا، ولا ينتقل إلى النسخ إلا إذا تعذر ذلك تعذرًا حقيقيًا.

ولم يكن هذا مجرد ترتيب إجرائي، بل كان تعبيرًا عن احترام النصوص، وإيمانًا بأن كل نص من الوحي جاء لهداية الناس، فلا يجوز إهدار العمل به إلا بدليل قاطع.

وقد أدرك العلماء أن ما يبدو اختلافًا ليس على مرتبة واحدة.

فمنه اختلاف التنوع، وهو أن تتناول النصوص جوانب متعددة للموضوع الواحد، فيكمل بعضها بعضًا، ويبين أحدها ما أجمله الآخر، أو يذكر كل منها حالًا تختلف عن الحال التي تناولها النص الآخر.

ومنه اختلاف التضاد، وهو التعارض الحقيقي الذي لا يمكن معه العمل بالنصين معًا.

وبالاستقراء الطويل للنصوص وجد العلماء أن أكثر ما يظنه الناس تعارضًا إنما هو من اختلاف التنوع، لا من اختلاف التضاد.

ولهذا لم يكن همهم البحث عن النص الذي يُترك، وإنما البحث عن المعنى الذي يجمع النصوص جميعًا، لأن العمل بالدليلين أولى من إسقاط أحدهما.

وكانوا يرون أن كل نص من نصوص الوحي يحمل نورًا من الهداية، فلا يجوز إطفاء نور أحد النصين ما دام يمكن أن يضيئا الطريق معًا.

ولذلك أصبح الجمع هو الأصل، وأصبح النسخ استثناءً لا يُصار إليه إلا عند الضرورة، وبعد أن تغلق جميع أبواب التوفيق بين النصوص.

ثانيًا: كيف كان العلماء يجمعون بين الأدلة؟

لم يكن الجمع بين النصوص محاولة للتوفيق الشكلي، أو وسيلة للهروب من الإشكال، بل كان منهجًا علميًا دقيقًا يقوم على فهم النصوص في ضوء بعضها بعضًا، حتى تتكامل دلالاتها وتستبين مقاصدها.

فقد أدرك العلماء أن النص الشرعي لا يعيش منفردًا، وإنما ينتمي إلى منظومة متماسكة، يفسر بعضها بعضًا، ويكشف أولها عن آخرها، ويضيء بعضها جوانب بعض، كما تتآزر قطع الفسيفساء لتشكل في النهاية لوحة واحدة لا يظهر جمالها إذا نُظر إلى كل قطعة بمعزل عن غيرها.

ولهذا كانوا يبدأون بالنظر في وجوه الاتفاق الممكنة بين النصوص.

فقد يكون أحد النصين عامًا، والآخر خاصًا، فيكون الخاص بيانًا لمراد العام.
وقد يكون أحدهما مطلقًا، والآخر مقيدًا، فيحمل المطلق على القيد حيث يجتمع الحكم والسبب.

وقد يكون أحد النصين يبين أصل الحكم، بينما يوضح الآخر شروط تطبيقه أو صفته أو بعض جزئياته.
وقد يكون كل نص قد ورد في واقعة تختلف عن الأخرى، أو في حال غير الحال، أو في ظرف يغاير الظرف، فينتفي التعارض من أساسه.

وهكذا لم يكن اختلاف الألفاظ عندهم دليلًا على اختلاف الأحكام، بل كانوا يعلمون أن اختلاف السياقات كثيرًا ما يرفع ما يظنه القارئ تعارضًا.

ولهذا لم يكن العالم المحقق يقف عند ظاهر النص، وإنما ينتقل منه إلى سياقه، ثم إلى سبب وروده، ثم إلى سائر النصوص المتعلقة بالباب نفسه، حتى تكتمل الصورة أمامه.

وكانوا يعدون ذلك من تمام الأمانة مع الوحي، لأن النص الواحد لا يُفهم فهمًا كاملًا إذا عُزل عن بقية النصوص التي تتحدث في الموضوع نفسه.

ومن هنا نشأت قاعدة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي قولهم:

إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.

فكلما أمكن أن يبقى النصان عاملين، كان ذلك أولى من رفع العمل بأحدهما.

وكأن العلماء كانوا يقولون: إن كل نص من نصوص الوحي يحمل نورًا من الهداية، فلا يجوز أن يُطفأ نور أحد النصين ما دام يمكن أن يجتمعا في إضاءة الطريق.

أما النسخ، فلا يُصار إليه إلا إذا قام الدليل القاطع على أن الحكم الأول قد انتهى زمن العمل به، وأن الشارع أراد نقل المكلفين إلى حكم آخر.

ومن هنا أصبح الجمع دليل قوة في الفهم، لا مجرد مهارة في التوفيق، لأنه يحفظ للنصوص جميعًا مكانتها، ويجعلها تعمل معًا في بناء واحد، بدل أن يُلغى أحدها دون ضرورة.

ثالثًا: نموذج عملي لمنهج الجمع

ولعل من أوضح الأمثلة على هذا المنهج ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال:

«لا عدوى».

وثبت عنه أيضًا أنه قال:

«فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد».

فقد يتبادر إلى ذهن من يقرأ الحديثين لأول مرة أن بينهما تعارضًا؛ إذ كيف ينفي النبي ﷺ العدوى، ثم يأمر بالابتعاد عن المجذوم؟

ولو كان منهج العلماء هو المسارعة إلى النسخ، لقالوا: إن أحد الحديثين ألغى الآخر.

لكنهم لم يفعلوا.

بل نظروا في مجموع النصوص، وتأملوا مقاصد الشريعة، واستحضروا ما كان شائعًا في الجاهلية من الاعتقاد بأن الأمراض تنتقل بذاتها استقلالًا عن إرادة الله.

فعلموا أن النبي ﷺ في قوله: «لا عدوى» لم ينف وجود الأسباب الكونية التي جعلها الله سببًا لانتقال المرض، وإنما نفى الاعتقاد الفاسد الذي يجعل هذه الأسباب مؤثرة بذاتها، مستقلة عن مشيئة الله وقدره.

ثم جاء قوله ﷺ: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» ليقرر مبدأ الأخذ بالأسباب، وأن المؤمن مأمور بتجنب مواطن الضرر، مع اعتقاده أن الأسباب لا تؤثر إلا بإذن الله.

وهكذا زال التعارض.

فلم يُلغِ الحديث الثاني الأول، ولم يرفع الأول حكم الثاني، وإنما كشف كل واحد منهما جانبًا من الحقيقة.

فالأول يصحح العقيدة.

والثاني يهذب السلوك.

واجتمعا معًا ليبنيا في نفس المسلم توازنًا دقيقًا بين الإيمان بالقدر، والعمل بالأسباب.

وهذا المثال يكشف لنا جانبًا من عبقرية المنهج الذي سار عليه علماء الأمة؛ إذ لم يكونوا يبحثون عن إبطال أحد النصين، وإنما كانوا يبحثون عن الصورة التي تجعل كل نص يؤدي رسالته التي جاء من أجلها.

ومن هنا أصبح الجمع بين الأدلة ليس مجرد قاعدة أصولية، بل ثقافة علمية، ومنهجًا في التفكير، وطريقًا يحفظ للنصوص هيبتها، ويمنع التسرع في ادعاء التعارض أو النسخ.

رابعًا: لماذا لا يُلجأ إلى النسخ إلا عند الضرورة؟

إذا تأملنا منهج العلماء في معالجة ما يبدو من تعارض بين النصوص، وجدنا أنهم لم يكونوا ينتقلون من رأي إلى آخر ارتجالًا، وإنما كانوا يسيرون وفق ترتيب علمي دقيق، يشبه درجات السلم؛ فلا يصعدون إلى درجة حتى يستوفوا التي قبلها.

فكانت رحلتهم تبدأ بسؤال واحد:

هل يمكن الجمع بين النصين؟

فإن أمكن الجمع، انتهى البحث عند هذا الحد، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، ولأن الأصل أن يبقى كل نص عاملًا في موضعه ما دام ذلك ممكنًا.

فإن تعذر الجمع تعذرًا حقيقيًا، انتقلوا إلى مرحلة أخرى، ينظرون فيها في وجوه الترجيح إذا كانت المسألة من مواضع الاجتهاد التي تتفاوت فيها قوة الأدلة أو دلالاتها.

فإن لم يكن الترجيح سبيلًا إلى حل الإشكال، بدأوا يبحثون في تاريخ النصوص، ليتبين لهم المتقدم من المتأخر.
فإذا ثبت بدليل صحيح أن أحد النصين متأخر عن الآخر، وأن العمل بهما معًا مستحيل، قالوا عندئذ بالنسخ.

ومن هنا يتبين أن النسخ لم يكن أول الحلول، بل آخرها، ولم يكن بابًا يفتح عند أول اختلاف ظاهر، وإنما نهاية رحلة طويلة من التدبر، والبحث، والمقارنة، والتحقيق.

ولهذا كان القول بالنسخ عند العلماء من أخطر الأحكام العلمية؛ لأنه لا يعني مجرد تفسير نص، بل يعني الحكم بأن زمن العمل بحكم شرعي قد انتهى، وأن الشارع الحكيم نقل المكلفين إلى حكم آخر.

ولذلك لم يكن هذا الحكم يُبنى على الظنون، ولا على مجرد الاستحسان، ولا على توهم التعارض، وإنما لا يثبت إلا بأدلة واضحة تستوفي شروطها جميعًا.

ولهذا سار أئمة التفسير، والحديث، والفقه، وأصول الفقه على هذا المنهج المحكم، فلم يكونوا يتعجلون إطلاق دعوى النسخ، بل كانوا يعدونها آخر ما يصل إليه الباحث بعد أن يستنفد كل وسائل الجمع والتوفيق.

وهنا تظهر حكمة بالغة؛ فكلما اتسعت دائرة الجمع، ضاقت دائرة النسخ، وبقيت النصوص الشرعية أكثر حضورًا في حياة الأمة، وأقرب إلى أن تعمل جميعها في بناء التشريع.

وهكذا لم يكن النسخ بابًا واسعًا لإسقاط الأحكام، وإنما استثناءً محدودًا، تحكمه ضوابط صارمة، وتحرسه أمانة علمية رفيعة.

كلمة أخيرة

إن من يتأمل هذا المنهج يدرك أن علماء الإسلام لم يكونوا حراسًا للنصوص فحسب، بل كانوا حراسًا لمعانيها أيضًا.

فلم يسمحوا أن يُلغى نص بظن، ولا أن يُترك حكم بعجلة، ولا أن يُدَّعى النسخ كلما بدا اختلاف في ظاهر الألفاظ، بل جعلوا الأصل أن تبقى نصوص الوحي متآزرة، يشد بعضها بعضًا، ويبين بعضها بعضًا، حتى إذا قامت الحجة القاطعة على انتهاء حكم، قبلوا النسخ بوصفه جزءًا من حكمة التشريع، لا وسيلة للتوسع في إسقاط الأحكام.

ولهذا كانت رحلتهم تبدأ دائمًا من الثقة الكاملة بأن الوحي لا يتناقض، ثم تنتقل إلى التدبر، ثم إلى الجمع، ثم إلى الترجيح حيث يكون له مجال، ولا تصل إلى النسخ إلا إذا قامت البينة القاطعة عليه.

وهذا المنهج يكشف جانبًا من عظمة التراث الإسلامي؛ فهو تراث لم يُبنَ على التسرع في إصدار الأحكام، وإنما قام على الصبر في البحث، والدقة في الفهم، والأمانة في الاستدلال.
ولعل أجمل ما في هذا المنهج أنه كان ينظر إلى النصوص نظرة البنيان الواحد؛ فلا يُنظر إلى آية بمعزل عن أختها، ولا إلى حديث منفردًا عن سائر الأحاديث، بل تُضم النصوص بعضها إلى بعض حتى تكتمل الصورة، ويظهر مراد الشارع في أبهى صوره.

وكلما ازداد الباحث إحاطة بالنصوص، ازداد يقينًا بأن ما يبدو تعارضًا لأول وهلة ليس إلا بابًا جديدًا من أبواب الفهم، وأن النصوص الشرعية لا تتصادم، وإنما تتكامل، ولا تتنافى، وإنما يفسر بعضها بعضًا.

وهكذا تتجلى حقيقة كبرى، وهي أن النسخ في الشريعة ليس بابًا يُفتح كلما ظهر اختلاف، وإنما باب لا يُطرق إلا بعد أن تُغلق جميع أبواب الجمع والتوفيق، وتقوم الأدلة القطعية على أن الحكم الأول قد انتهى زمنه، وجاء حكم آخر يحل محله.

فبقيت الشريعة بناءً متماسكًا، يجمع بين الثبات والحكمة، وبين وحدة النصوص ومرونة تنزيلها، حتى استحقت أن تكون آخر رسالات السماء إلى الأرض، وأبقى الشرائع صلاحًا لكل زمان ومكان.

جسر العبور للمقال القادم

وبعد أن تبين لنا أن العلماء لم يجعلوا النسخ إلا آخر مراحل البحث، وأنهم أحاطوه بسياج من القواعد والضوابط، يبرز سؤال آخر هو مفتاح هذا الباب كله:

إذا كان النسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال، فما الشروط التي اشترطها العلماء للحكم بأن هذا النص قد نُسخ فعلًا؟

وهل يكفي أن يبدو التعارض قائمًا، أم لا بد من أدلة قطعية تثبت تأخر أحد النصين، واستحالة الجمع بينهما؟

هذا ما سنجيب عنه في المحور القادم، حيث نتعرف إلى الشروط المحكمة لإثبات النسخ، ونرى كيف صان علماء الأمة هذا الباب من التوسع، حتى بقي النسخ استثناءً منضبطًا، لا قاعدة مطردة، ولا وسيلة للتخلص من النصوص التي يصعب فهمها، بل شاهدًا جديدًا على دقة المنهج الإسلامي في فهم الوحي وحفظه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى