مقال

القدوة الحسنة في الصبر علي البلاء


بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، فالوقت نعمة من نعم الله تعالي ولابد من شكر هذه النعمة وشكرها يكون بإستعمالها في الطاعات، وإستثمارها في الباقيات الصالحات ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة، والفراغ ” رواه البخاري، فمن ملك الصحة والفراغ ولم يسع لإستثمارهما في إصلاح آخرته ودنياه فهو التعيس حقا نعوذ بالله من الغبن، فحاسب نفسك واسألها ماذا عملت في يومها الذي انقضى؟ وأين أنفقت وقتك؟ وفي أي شيء أمضيت ساعات يومك؟ هل إزددت فيه من الحسنات أم إزددت فيه من السيئات؟ فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، فمن ربّى نفسه على التعلق بمعالي الأمور والتباعد عن سفسافها، كان أحرص على إغتنام وقته، ومن علت همته لم يقنع بالدون، ولقد كان لنا في صحابة النبي صلي الله عليه وسلم.

القدوة الحسنة في الصبر علي البلاء والقدرة علي تحمل الصعاب فهذا هو الصحابي الجليل خبيب بن عدي رضي الله عنه الذي دفنته الملائكة، ففي شهر صفر في السنة الرابعة من الهجرة، قدم وفد من قبيلتي عضل والقارة المضريتين إلى المدينة، وطلبوا من الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم أن يرسل جمعا من أصحابه ليفقهوهم في الدين، فبعث عشرة من الصحابة، وجعل عليهم عاصم بن ثابت أميرا، فلما وصل الوفد بين عسفان ومكة أغار عليهم بنو لحيان وهم من هذيل وهم قريب من مائتي مقاتل، فأحاطوا بهم وقد لجأ الوفد إلى مكان مرتفع، وأعطى الأعراب الأمان من القتل للوفد، لكن عاصم بن ثابت قال “أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر” فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما وستة من أصحابه، وبقي ثلاثة، فأعطاهم الأعراب الأمان من جديد فقبلوا، فلما نزلوا إليهم ربطوهم وغدروا بهم.

فقاومهم عبد الله بن طارق فقتلوه واقتادوا الاثنين إلى مكة فباعوهما لقريش وهما خبيب بن عدي، وزيدبن الدثنة، وبعد الأشهر الحرم أخدوا خبيب بن عدي وخرجوا به خارج مكة وقاموا بتعليقه في شجرة وربطوه فيها وجمعوا كل قريش، فبدأ أبو سفيان يقول لا تقتلوه إنما إضربوه قريبا من يده وقدميه، لا تقتلوه نريد أن نعذبه، فبدأوا يضربونه وخبيب رافع الرأس وذهب أبو سفيان إليه، وقال يا خبيب أستحلفك بالله أتحب أن يكون محمد مكانك الآن، فقال والله ما أحب أن يكون رسول الله صلي الله عليه وسلم في بيته ويشاك بشوكة فكيف أحب أن يكون في مكاني، وها هو الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه، ذلك الصحابي الذي أرسله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى رستم قائد جيش الفرس، ويدخل ربعي بثيابه المتواضعة على رستم، وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي والحرير.

وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة العظيمة وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة متواضعة وترس وفرس قصيرة ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه وبيضته على رأسه، فقالوا له ضع سلاحك، فقال إنّي لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فقال رستم ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق لخرق عامتها، فقال رستم من انتم وما جاء بكم ؟ فيقول ربعي بكل قوة وثبات، نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فمن قبل منا قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن حال بيننا وبين دعوة الناس لدين الله قاتلناه حتى نفضي إلى موعود الله.

قال رستم وما موعود الله؟ فقال ربعي الجنة لمن مات منا، والنصر لمن بقي من إخواننا، فانظر إلى مدى الثقة في النفس وقوة الخطاب، ذلك مصدره كله من رب عزيز سبحانه وتعالى، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا به عالمين، ومن خشيته مشفقين، اللهم اهدنا في من هديت، وعافنا في من عافيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، إنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع كلمة الحق والدين، والحمد لله رب العالمين.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *