مقال

الفقر الاجتماعي وغلاء الاشتراكات»: عندما تُقصى لوائح مراكز الشباب الموهوبين من صناعة الغد


بقلم: أشرف عبد الحميد

تتلاطم الأمواج بين نبل الشعارات التي تتغنى بها المؤتمرات والاجتماعات المكبرة حول “دعم الشباب وتمكينهم”، وبين أرض الواقع المؤلمة التي يقف عليها آلاف الشباب المصري على أطراف الشوارع وعلى أرصفة المقاهي؛ شباب طُمست مواهبهم الكروية والرياضية، وأُخرِجوا قسراً من معادلة المشاركة المجتمعية ليس لقصور في عقولهم أو عزائمهم، بل لـ «فقر اجتماعي» فرضته الظروف، ولوائح تنظيمية تحولت بموجبها مراكز الشباب من “خدمة مجتمعية وحق استحقاقي” إلى “استثمار تجاري وأندية للمحترفين”.

إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في الإقصاء المادي، بل في “الجهل المؤسسي” بالتحديات النفسية والاجتماعية والشخصية التي يمر بها الشاب، والأنكى من ذلك هو ممارسة الإقصاء باسم “حماية الشباب”؛ والنموذج الشاخص أمامنا يتجلى في أسلوب تشكيل الكيانات والبرلمانات الشبابية — مثل برلمان شباب الجمهورية — التي يتساءل الشارع الرياضي والمجتمعي: كيف تُشكل؟ وعلى أي أساس تُنتقى كوادرها بعيداً عن الغالبية الكاسحة من شباب الميادين المنسيين؟

أولاً: الاستشهاد بالدستور والقانون.. الرياضة والمشاركة حق ملزم وليست سلعة
إن غلاء اشتراكات مراكز الشباب واستبعاد غير القادرين ماديًا يتناقض صراحة مع المبادئ الدستورية والقانونية الحاكمة لدولة تسعى لبناء الإنسان:

الدستور المصري (المادة 84): ينص بوضوح حاسم على أن:

“ممارسة الرياضة حق للجميع، وتكفل الدولة للشباب والنشء الاكتشاف المبكر للموهوبين رياضياً ورعايتهم، واتخاذ الإجراءات اللازمة لترسيخ ممارسة الرياضة”.

قانون مراكز الشباب (قانون رقم 218 لسنة 2017): يُعرف مركز الشباب في مادته الأولى بأنه “هيئة شبابية تربوية تهدف إلى تقديم الخدمات الشبابية والرياضية والثقافية والاجتماعية للشباب”، ولم ينص القانون في جوهره على تحويل هذه الهيئات إلى منافذ تجارية تُثقل كاهل الأسر وتستبعد البسطاء لصالح الأكاديميات الخاصة والمستثمرين.

ثانياً: خطابات وتصريحات القيادة السياسية والمسؤولين.. الفجوة بين التوجيه والتطبيق
عندما نراجع خطابات القيادة السياسية، نجد تأكيداً متواصلاً على إدماج كافة فئات الشباب، مما يضع الجهاز التنفيذي وإدارات مراكز الشباب أمام مسؤولية تصحيح هذا الانحراف:

تصريحات رئيس الجمهورية: أشار سيادته في أكثر من مناسبة وطنية إلى أن:

“الشباب هم ثروة مصر الحقيقية، والوصول للشباب في القرى والنجوع والمناطق الأكثر احتياجاً ليس خياراً بل واجباً وطنياً لبناء الإنسان ومواجهة الأفكار المغلوطة”.

تصريحات رئيس مجلس الوزراء: شدد مراراً على أن “تطوير مراكز الشباب في المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» يهدف بالأساس إلى إتاحة المساحة لشباب القرى لممارسة الأنشطة بالمجان أو بأسعار رمزية لترسيخ العدالة الاجتماعية”.

مواقف المجتمع المدني والأحزاب: تتفق وثائق المجتمع المدني والقوى الحزبية على أن استبعاد الشاب المتواجد على المقهى بسبب العجز المالي يمثل ثغرة تسلل لليأس، مطالبة بتدشين “مجانية الأنشطة للطبقات الأكثر احتياجاً” وإتاحة الاكتشاف الحر للموهوبين دون اشتراط أكاديميات مدفوعة الأجر.

ثالثاً: حزمة المعالجات التنفيذية لإعادة مراكز الشباب إلى أحضان الشارع
وحتى لا نكتفي بجلد الواقع ونستعيد المؤسسات الشبابية لدورها التنموي والتربوي الأصيل، نضع التوصيات العملية التالية أمام وزارة الشباب والرياضة ومجالس إدارات مراكز الشباب:

إقرار «كارت التمكين الاجتماعي» للمجانيات: استثناء الشباب غير القادرين وأبناء الأسر الأولى بالرعاية من رسوم الاشتراكات والأكاديميات داخل مراكز الشباب بموجب أبحاث اجتماعية بسيطة، مع تخصيص الملاعب لمدد زمنية مجانية أسبوعياً للشباب المنسي في الشوارع والمقاهي.

شفافية معايير التشكيلات الشبابية: إعادة هيكلة القواعد المنظمة لانتخاب وتعيين أعضاء برلمان شباب مصر والمجالس الشبابية، وإعلان معايير الاختيار بشفافية تضمن تمثيل شباب القرى والعمال والطبقات البسيطة بعيداً عن المحسوبيات والبيروقراطية.

حظر تسقيع الملاعب وتحويلها لتجارة: إعادة الرقابة على عقود الاستثمار داخل مراكز الشباب لضمان عدم طغيان المستثمر الخاص على حق ابن الحي في ممارسة الرياضة واكتشاف موهبته.

لجان الموهوبين الميدانية: نزول كشافين ونقاد رياضيين إلى الساحات الشعبية والمحافظات لاكتشاف الموهوبين كروياً ورياضياً المقيمين خارج الأندية والمراكز الاستثمارية، ورعايتهم مجاناً بحكم المادة 84 من الدستور.

كلمة أخيرة
إن الشباب المتواجدين على المقاهي وفي أزقة الأحياء ليسوا عالة على الوطن ولا هم غير صالحين لشيء، بل هم طاقات معطلة ومواهب دفنتها اللوائح وشح الموارد. إن العدالة الاجتماعية الحقيقية تبدأ من إتاحة الفرصة لمن لا يملك ثمن الاشتراك، وتأكيد أن مراكز الشباب أُنشئت لتصنع الموهوبين وتحميهم، لا لتبتاع فيهم وتشتري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock