بقلم / هاله المغاورى فيينا
في أمسية ثقافية احتفت بتراث مصر الحضاري العريق، افتتح المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا معرض “الفراعنة.. من الصغير إلى الكبير” للفنانة التشكيلية المصرية نورا الكردي، بحضور الدكتور خالد شعلان نائب سفير جمهورية مصر العربية لدى النمسا، والمستشار محمد سامح القنصل العام لجمهورية مصر العربية لدى النمسا، إلى جانب نخبة من الشخصيات الدبلوماسية والثقافية والأكاديمية والفنية، وعدد من أبناء الجالية المصرية والمهتمين بالفنون والتراث الإنساني.
واستهلت فعاليات الافتتاح بكلمة البروفيسور الدكتور خالد محمد أنور أبو شنب، الملحق الثقافي ومدير المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا، الذي رحب بالحضور مؤكداً أن المعرض يمثل نموذجاً متميزاً للدور الذي تلعبه الثقافة والفنون في مد جسور التواصل بين الشعوب وتعزيز الحوار الحضاري. وأشار إلى أهمية استضافة مثل هذه الفعاليات التي تبرز ثراء الحضارة المصرية وتتيح للجمهور النمساوي والأوروبي التعرف على جوانب من التراث المصري الممتد عبر آلاف السنين.
كما ألقى الدكتور خالد شعلان، نائب السفير المصري لدى النمسا، كلمة أشاد فيها بالدور الذي تؤديه الفنون في تعزيز التفاهم بين الثقافات، مؤكداً أن الحضارة المصرية القديمة ما زالت تمثل أحد أهم مصادر القوة الناعمة المصرية. كما أعرب عن تقديره للجهود التي تبذلها الفنانة نورا الكردي في تقديم التراث المصري بصورة فنية معاصرة تسهم في تعريف الجمهور الأوروبي بعظمة التاريخ المصري وثرائه الحضاري.
بعد ذلك تحدث البروفيسور الدكتور ولفريد زايبل، المدير العام السابق لمتحف تاريخ الفن في فيينا وأحد أبرز المتخصصين في علم المصريات، متناولاً المكانة الاستثنائية التي تحتلها الحضارة المصرية القديمة في التاريخ الإنساني. وأكد أن الفن المصري القديم ما زال يحتفظ بقدرته على الإلهام والتأثير حتى يومنا هذا، قبل أن يقدم الفنانة نورا الكردي للحضور، مستعرضاً تجربتها الفنية واهتمامها الخاص باستلهام الرموز والمشاهد التاريخية المصرية وإعادة تقديمها برؤية معاصرة.
ومن جانبها، أعربت الفنانة نورا محمد الكردي عن سعادتها بإقامة هذا المعرض في فيينا، المدينة التي تعيش فيها منذ سنوات، مشيرة إلى أن ارتباطها العميق بجذورها المصرية شكل المصدر الأساسي لإلهام أعمالها الفنية. وأوضحت أن المعرض يضم مجموعة متنوعة من الأعمال المستوحاة من الحضارة المصرية القديمة، بعضها يستند إلى نماذج أصلية من الجداريات والبرديات التاريخية، فيما يقدم بعضها الآخر رؤى فنية جديدة تعيد قراءة هذا التراث العريق بلغة بصرية معاصرة.
وأضافت أن تجربتها الفنية تأثرت أيضاً بالطابع المعماري والفني للعاصمة النمساوية، حيث انعكست عناصر من فن “اليوغندشتيل” في بعض أعمالها، ما أتاح لها بناء حوار بصري بين الحضارة المصرية القديمة والثقافة الأوروبية المعاصرة، وجعل من المعرض مساحة للقاء بين عالمين يجمعهما الإبداع والجمال.
ويضم معرض “الفراعنة.. من الصغير إلى الكبير” عشرات الأعمال الفنية التي تتفاوت أحجامها بين اللوحات الصغيرة والأعمال الكبيرة، في انعكاس مباشر لفكرة المعرض وعنوانه. وقد استلهمت الفنانة العديد من أعمالها من النقوش الأصلية الموجودة في المعابد والمقابر المصرية القديمة، إضافة إلى البرديات التاريخية التي توثق جوانب متعددة من الحياة اليومية والمعتقدات الدينية والفكرية في مصر القديمة.
وتبرز بين الأعمال المعروضة شخصيات ورموز فرعونية شهيرة، من بينها الملكة نفرتيتي والإله أنوبيس، إلى جانب لوحات تتناول مفاهيم العدالة والحكمة والمعرفة والبعث، فضلاً عن أعمال تستحضر رموزاً مصرية خالدة مثل مفتاح الحياة “العنخ” والعناصر النباتية والطيور المقدسة التي شكلت جزءاً أساسياً من الهوية البصرية للفن المصري القديم.
كما يلفت المعرض الانتباه إلى قدرة الفنانة على المزج بين الدقة التاريخية والحرية الإبداعية، حيث لا تقتصر الأعمال على إعادة إنتاج النماذج الأثرية، بل تسعى إلى إعادة إحيائها ومنحها أبعاداً إنسانية معاصرة تجعلها أكثر قرباً من المتلقي الحديث.
ويعكس المعرض رؤية فنية تؤمن بأن الحضارة المصرية القديمة ليست مجرد إرث تاريخي محفوظ في المتاحف، بل مصدر متجدد للإلهام وقيمة إنسانية عالمية قادرة على التواصل مع مختلف الثقافات والشعوب. ومن خلال هذه الأعمال، تقدم نورا الكردي تجربة بصرية تجمع بين احترام الماضي والانفتاح على الحاضر، مؤكدة أن الفن يظل أحد أقوى الجسور التي تربط بين الأمم والحضارات.
ويستمر المعرض في المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا حتى التاسع من يوليو 2026، ليمنح زواره فرصة فريدة لاكتشاف جانب من عظمة مصر القديمة من خلال رؤية فنية معاصرة تجمع بين الأصالة التاريخية والابتكار الفني، وتؤكد أن التراث المصري ما زال قادراً على إلهام الأجيال الجديدة والتواصل مع مختلف الثقافات حول العالم.

