الفاتحة أمر مشروع بعموم الأدلة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال ” إن نوحا قال لابنه آمرك بـ”لا إله إلا الله” فإن السماوات السبع والأرضين لو وضعت في كفة، ووضعت “لا إله إلا الله” في كفة لرجحت بهن “لا إله إلا الله”، ولو أن السماوات السبع كنّ حلقة مبهمة لقصمتهن “لا إله إلا الله” فهي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله جل وعلا، ليس بينها وبينه حجاب، فعن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال “ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا، إلا فتحت له أبواب السماء، حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر” وهي مفتاح الجنة، ففي الصحيحين من حديث عتبان أن النبي صلي الله عليه وسلم قال ” فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله” وإننا إذا تكلمنا عن قراءة الفاتحة في إستفتاح الدعاء أو إختتامه أو في قضاء الحوائج أو في بداية مجالس الصلح.
أو غير ذلك من مهمات الناس، قالت دار الإفتاء إنه أمر مشروع بعموم الأدلة الدالة على استحباب قراءة القرآن من جهة، وبالأدلة الشرعية المتكاثرة التي تدل على خصوصية الفاتحة في إنجاح المقاصد وقضاء الحوائج وتيسير الأمور من جهة أخرى، وبينت أن من أدلة جواز قراءة الفاتحة بنية قضاء الحاجة، هو قوله تعالى كما جاء في سورة فاطر ” إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور” وكقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ” اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابة” رواه مسلم، وأشارت إلى أنه من المقرر في علم الأصول أن الأمر المطلق يقتضي العموم البدلي في الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، وإذا شرع الله تعالى أمرا على جهة العموم أو الإطلاق فإنه يؤخذ على عمومه وسعته ولا يصح تخصيصه.
ولا تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل، وإلا كان ذلك بابا من أبواب الابتداع في الدين بتضييق ما وسعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، واستدلت أيضا أن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أفراد العموم الشمولي، أو البدلي ليس مخصصا للعموم ولا مقيدا للإطلاق طالما أنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عما عداه، وهذا هو الذي يعبر عنه الأصوليون بقولهم “الترك ليس بحجة” أي أن ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمر ما لا يدل على عدم جواز فعله، وهو أمر متفق عليه بين علماء المسلمين سلفا وخلفا، حتى إن العلامة ابن تيمية الحنبلي رحمه الله مع توسعه في مفهوم البدعة المذمومة قد فهم هذا المعنى في تعبده فكان يجعل الفاتحة وردا له، فقد نقل عنه تلميذه أبو حفص البزّار في كتابه “الأعلام العليّة في مناقب ابن تيمية” أنه كان يقرأ الفاتحة ويكررها.
من بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس ولو كان الترك حجة لعُدّ بفعله هذا مبتدعا مخالفا للسنة، ولكن لما كان أمر الذكر والقراءة على السعة، وكانت العبرة فيه حيث يجد المسلم قلبه، كان هذا الفعل جائزا شرعا، فاللهم اجعل عبادتك أحب إلى نفوسنا من الماء على الظمأ، اللهم اجعل قلوبنا تحب الطاعات، وتلتذ بها، وتجد حلاوتها، وتستحضر عظمة الرب فيها، وتمتلئ بالخشوع في أدائها برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك نعيما لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، والشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم وفقنا للطاعات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت، برحمتك يا رب الأرض والسماوات.


