مقال

العيش والملح … عبارة يرددها الجميع ولا يفهمها إلا القليل .

بقلم / أحمد عبدالهادي السويسي

في حياتنا أشياء لا تشترى ولا تباع …
أشياء تحفظ في الذاكرة قبل أن تكتب في الكلمات وعلى رأسها العيش والملح .
ذلك العهد الصامت الذي يعني أن بيننا خبزا وودا تقاسمناه، ومواقف كان يفترض أن تبقى شاهدا على ما بين القلوب من تقدير ووفاء.

لكن المؤلم حقا أن تكتشف يوم أن هذا العهد لا يعني شيئ عند بعض البشر.

أن تعطي بصدق… وتساند بإخلاص… وتقف في اللحظة التي اختفى فيها الجميع، ثم تكتشف أن أول من ينكر كل ذلك هو نفس الشخص الذي مددت له يدك حين تركه العالم.

بعض الناس للأسف لا يحتفظون في ذاكرتهم إلا بما يوافق أهواءهم.
يمحون من دفاترهم كل لحظة وقفت فيها بجانبهم وكل موقف أنقذتهم فيه من سقوط كان قريب … ثم يتذكرون فقط ما يظنونه خطأ حتى وإن لم يكن سوى اختلاف في الرأي أو موقف أسيء فهمه.

وهنا تدرك أن المشكلة لم تكن يوما في العطاء…
بل فيمن لا يعرفون قيمة العطاء.

هناك نوع من البشر يعيش وكأن مهمته الوحيدة هي أن يختبر صبرك، وأن يستفز محبتك، وأن يدفعك دفعا إلى حافة الخيبة.
يتصرفون وكأنهم لا يرون ما قدمت، ولا يسمعون ما قلت، ولا يشعرون بما تحملت.

والأغرب من ذلك، أنهم غالبا أصحاب الوجوه المبتسمة والكلمات الجميلة…
لكن خلف تلك الوجوه قلوب لا تعرف إلا السواد، ونيات لا تحمل من الصفاء شييء.

هم بارعون في الكلام عن الحب، لكنهم فاشلون تماما في إثباته بالمواقف.
فالحب الحقيقي لا يقاس بالكلمات، بل يكشف في لحظة اختبار…
في موقف صغير قد يفضح كل الادعاءات.

كم من مرة سامحنا…
وكم من مرة منحنا الفرصة تلو الأخرى…
ليس لأنهم يستحقون، بل لأن قلوبنا كانت أكبر من أخطائهم.

لكن الحقيقة التي يتعلمها الإنسان متأخر هي أن بعض الناس لا يستحقون حتى العتاب.
لأن الاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعه …
وهناك من لا يملكون هذه الشجاعة ابدا .

تضع أمامهم الدليل الواضح على الخطأ، فيختارون الإنكار أو التحجج .
تفتح لهم باب الصفح، فيصرون على التمادي.
ليس لأنهم لا يفهمون… بل لأن الاعتراف يجرح غرورهم.

والوجع الحقيقي لا يأتي من الغرباء…
بل من أولئك الذين وضعناهم يوما في مكانة أعلى من أنفسنا وظننا أنهم سيحفظون هذا التقدير كما نحن حفظناه.

لكن الحياة تعلمنا درسا قاسيا احيانا :
ليس كل من شاركك العيش والملح يعرف معنى الوفاء.

وفي النهاية…
ربما نندم على فرصة أعطيناها لمن لا يستحق أو على سماح كان أكبر من أخطائهم .
لكننا لا نندم أبدا لأننا كنا أصحاب قلوب صادقة.

فالقيمة الحقيقية ليست فيمن خذلنا…
بل في أننا لم نتغير رغم الخذلان.

ونصيحتي لكل من يقرأ هذه الكلمات:
لا تتوقف عن الوفاء… لكن تعلم أن تختار من يستحقه.
فالقلوب الطيبة لا يجب أن تهدر على من لا يعرفون معنى العيش والملح .

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *