مقال

العقول التي ترى ما لا يراه الآخرون


بقلم/نشأت البسيوني

بعض العقول خلقت بطريقة مختلفة لا تمر على التفاصيل مرور العابرين ولا تتعامل مع الحياة كطريق واحد الاتجاه هذه العقول ترى ما لا يراه الآخرون تسمع ما بين الكلمات لا ما فوقها وتتقن قراءة الصمت ودراسة الحركات ومراقبة التصرفات حتى تعرف الحقيقة قبل أن تقال وتفهم النوايا قبل أن تنكشف هذه العقول لا تتأثر بالضوضاء ولا تخدعها العبارات المزينة ولا تقتنع بالمظاهر

مهما بدت منسقة لأنها تعرف أن الواجهة ليست سوى غلاف مزيف يخفي خلفه ما لا يريد أحد أن يظهره لذلك فهي لا تحكم بسرعة ولا تركض نحو النتائج بل تمنح نفسها وقتا طويلاً للفهم والتحليل والتأمل حتى تتأكد أن كل فكرة وصلت إليها كانت نابعة من رؤية واضحة لا من مجرد انفعال عابر العقول التي ترى ما لا يراه الآخرون تشعر بالناس من طريقة حديثهم من ارتباكهم من تغير نبرة

الصوت من اختلاف حركة العين من كلمة زائدة أو كلمة ناقصة هذه العقول تمسك بالخيط الخفيف الذي يفلت من الجميع وتحوله إلى صورة كاملة لا يلاحظها أحد غيرها لذلك يظن البعض أنها تبالغ أو تتخيل أو تفسر أكثر من اللازم لكن ما لا يعرفونه هو أن هذه العقول لا تخلق شيئا من العدم بل تلتقط ما لا يلتقطه أحد وهذه القدرة ليست رفاهية بل عبء كبير لأن من يرى أكثر يتألم أكثر ومن يفهم

بعمق لا يستطيع أن يتجاهل الحقائق التي يفضل الآخرون أن يغمضوا أعينهم عنها لذلك تجد هذه العقول تعيش صراعا دائما بين ما تعرفه وما يجب أن تتظاهر أنها لا تعرفه وبين ما تشعر به وما يجب أن تخفيه وبين الحقيقة التي تراها والواقع الذي يتجاهله الجميع لكن رغم كل ذلك تبقى هذه العقول هي الأكثر قدرة على اتخاذ القرارات الصائبة وهي الأكثر وعيا بما يحدث في حياتها وهي

التي تقود نفسها بثبات وثقة دون انتظار أحد يرشدها لأنها تعلم الطريق جيدا وتعرف أين تضع خطواتها وأين تتوقف وأين تعود وأين تكمل يكتشف الجميع أن العقول المختلفة هي التي تغير مسار الأيام وهي التي تصنع الفارق وهي التي تقود دون أن تطلب القيادة لأنها ترى ما لا يراه الآخرون وتفكر بطريقة لا يستطيع أحد تقليدها وتبقى دائما خطوة أمام الجميع مهما حاولوا اللحاق بها

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *