بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا أنه يسعى الناس جميعا لتحقيق النجاح ويبذلون من أجله الجهد والوقت، وبينما يصل البعض إلى تحقيقه بصورة تناسب الجهد والسعي، يتأخر البعض الآخر في الوصول إلى الهدف المرسوم والنتيجة المنشودة، فيتوقف نجاحهم على ما تتطلبه أهدافهم من بذل وأسباب تسهم في تحقيقها والوصول إليها، فإذا ما وعى هؤلاء إلى تلك الأسباب والمفاتيح لاحت لهم معالم النجاح وتوضحت بما يرضيهم ويساوي جهدهم المبذول، ومهما بلغ الناس في درجات النجاح ومراتبه فإنهم لن يصلوا إلى كماله، إذ أنه سعي دائم يرقى بالإنسان باستمرار ليحصل له الطموح تلو الطموح والإنجاز بعد الإنجاز، ويعلو بالحسن نحو الأحسن، فبذلك تزداد الدرجات وترتفع الهامات وتعمر الأرض بمن سكنها، وإعلموا يرحمكم الله أن عالم البرزخ والحياة البرزخية هو الذي يدخله الناس بعد أن يتركوا عالم الدنيا فيدخلوا إلى هذا العالم بعد الموت.
ولكن الإنسان وهو في هذه السكرات، وفي هذه الكربات، وبين هذا الغم والهم، ينظر فجأة فيرى ملائكة من بعيد تقترب، يا ترى أهذه الملائكة التي أراها هي ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ ويا ترى هذا الذي جلس عند رأسي ملك الموت ينتظر الأجل أن يوفى من الله، كما قدر الله عز وجل وهل سينادي على روحي ويقول يا أيتها الروح الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، ورب راض غير غضبان، أم سينادي ويقول يا أيتها الروح الخبيثة أخرجي إلى سخط الله وعذابه؟ ويا ترى هل ستكون حفرتي روضة من رياض الجنة أم ستكون حفرة من حفر النيران؟ وبين حزن شديد على ما فات، وبين غم شديد لأنه لا يدري ما الذي سيلاقيه، ما الذي سيكون بين يديه، فإنه ينظر إلى أولاده وإلى أحبابه وإلى أهله الذين التفوا من حوله يبكون، فينظر إليهم حينما يفيق بين السكرات والكربات نظرة كلها استعطاف، نظرة كلها شفقة، نظرة كلها رجاء.
نظرة كلها رحمة، نظرة كلها سؤال، ويقول لهم يا أولادي، يا أحبابي فدوني بأعماركم، لا تتركوني وحدي، ولا تفردوني في لحدي، من منكم يزيد في عمري ساعة أو ساعتين، أنا صاحب الأموال، أنا الذي بنيت الدور، وأنا الذي بنيت القصور، وأنا الذي جمعت المال، وأنا الذي جهدت واجتهدت، فافدوني بأعماركم، زيدوا في عمري ساعة أو ساعتين، أريد أن أستمتع بالأموال، أريد أن أستمتع بالسيارات، أريد أن أستمتع بالعمارات، ولكنه في واد والناس في واد آخر، حيث لا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تحول بينك وبين هذه الحقيقة مهما كان جاهك، ومهما كان منصبك، ومهما كانت قوتك، لا يمكن بأي حال، فيقول تعالي ” ولو كنتم في بروج مشيدة” لأن الذي أصدر الأوامر لملك الموت هو من يقول للشيء كن فيكون، إنه الله رب العالمين، فيا أيها الغافلون ويا أيها اللاهون ويا أيها الساهون ويا أيها المذنبون.
ويا أيها الظالمون ويا أيها المقصرون اعلموا أنكم راحلون إلى الله جل وعلا، واعلموا أنكم ستقفون بين يدي الله جل وعلا، فيحاسبكم عن القليل والكثير، وعن النقير والقطمير، وعن الصغير والكبير، فسبحانه وتعالي القائل ” فمن يعمل مثقال ذرة خير يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره” وقيل أنه لما احتضر هارون الرشيد، ونام على فراش الموت طلب أن يرى كفنه، ونظر إلى كفنه بعينيه قبل أن يموت، وبكى وبكى وبكى، ثم قال ما أغنى عني مايه، هلك عني سلطانية” أين المال؟ وأين منصبي؟ وأين جاهي وأين سلطاني؟ وأين مرءوسي؟ وأين خدمي وأين حشمي؟ وأين عماراتي؟ فيقول هارون الرشيد عندما رأي كفنه بعينيو ومسكه بيديه “ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانية” ولما احتضر المأمون أمرهم إذا أفاق من سكرات الموت أن يحملوه فيرى قبره بعينيه قبل أن يموت.
فحملوه إلى قبره، فنظر إلى قبره وقبض على لحيته، وأخذ يبكي ويبكي ويبكي، ثم رفع رأسه إلى الله وقال يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.


