بقلم / أحمد عبدالهادي السويسي
لم يعد الذكاء الاصطناعي رفاهية تكنولوجية أو خيالًا علميا يُروى في أفلام المستقبل، بل أصبح واقعًا يفرض حضوره بقوة في تفاصيل حياتنا اليومية. من الهاتف الذي يقترح علينا الكلمات قبل أن نكتبها، إلى الأنظمة الذكية التي تدير المصانع والمستشفيات .
نحن نعيش اليوم عصرا جديدا تعاد فيه صياغة مفهوم العمل، والإبداع، وحتى اتخاذ القرار.
في خمسينيات القرن الماضي ظهر مفهوم الذكاء الاصطناعي بشكل أكاديمي من خلال العالم الأمريكي John McCarthy، لكنه لم يشهد الطفرة الكبرى إلا مع التطور الهائل في قدرات الحوسبه وتوفر البيانات الضخمة. الأمر الذي أدي الي أن تقود شركات عملاقة مثل OpenAI وGoogle وMicrosoft سباق الابتكار لتطوير أنظمة أكثر فهما وتحليلا وتفاعلا مع الإنسان.
الذكاء الاصطناعي لم يقتصر على مجال التقنية فحسب، بل امتد إلى الإعلام، والتعليم، والتسويق، والطب، والأمن السيبراني. ففي المجال الطبي، أصبح يستخدم في تشخيص الأمراض بدقة عالية من خلال تحليل الصور الطبية والبيانات السريرية. وفي قطاع الأعمال، يساعد في تحليل سلوك العملاء والتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية، مما يعزز من كفاءة القرارات ويقلل من المخاطر.
لكن مع هذه الطفرة، تبرز تساؤلات مشروعة: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ وهل ستتأثر فرص العمل؟ الحقيقة أن التاريخ يثبت أن كل ثورة صناعية تخلق وظائف جديدة بقدر ما تلغي أخرى. الفرق أن المهارات المطلوبة تتغير، ويصبح الإبداع والقدرة على التكيف هما مفتاح البقاء والتميز.
الأمر لا يتعلق بصراع بين الإنسان والآلة، بل بشراكة ذكية بين العقل البشري والقدرة الحاسوبية. فالآلة قادرة على معالجة ملايين البيانات في ثوان، لكن الإنسان يظل صاحب الرؤية والقيم والضمير. ومن هنا، فإن الاستخدام الأخلاقي والمسؤول للتكنولوجيا يظل هو التحدي الأكبر أمام الحكومات والمؤسسات.
إننا أمام مرحلة تاريخية فارقة، تتطلب وعيا مجتمعيا واستثمارا حقيقيا في التعليم الرقمي وتنمية المهارات المستقبلية. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة، بل هو قوة تغيير شاملة ستحدد شكل الاقتصاد والإعلام وحتى العلاقات الإنسانية في السنوات القادمة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل سنكون مجرد مستخدمين للتقنية، أم صناعا لمستقبلها؟
المستقبل لا ينتظر المترددين… بل يُصنع بأيدي من يجرؤون على الفهم والتطوير والمبادرة


