مقال

الدراما الهابطة.. حين يتحول الفن إلى خنجر في خاصرة المجتمع


كتب /محسن رجب جودة
‏لطالما كانت الدراما مرآة تعكس قضايا الشعوب، وجسراً يعبر بنا نحو الوعي والارتقاء. ولكن، في الآونة الأخيرة، بدأنا نلمس انحرافاً حاداً في هذا المسار؛ حيث تحولت الشاشة من وسيلة للتهذيب إلى منصة لبث “سموم ناعمة” تتسلل إلى بيوتنا دون استئذان، وتعبث بعقول أجيالنا الصاعدة تحت مسمى “الواقعية” أو “الترفيه”.

‏فخ “تجميل القبح”: صناعة البطل الزائف

‏إن أخطر ما تقدمه الدراما الهابطة اليوم هو ما يمكن تسميته بـ “تجميل القبح”. ففي الوقت الذي يحتاج فيه شبابنا إلى قدوات تزرع فيهم قيم العمل، الصبر، والجبر، نجد الشاشة تحتفي بـ “البلطجي” والمنحرف، وتقدمه في إطار “البطل المظلوم” الذي ينتزع حقه بذراعه بعيداً عن دولة القانون. هذا التزييف لا يهدد السلم المجتمعي فحسب، بل ينسف مفهوم “البطولة الحقيقية” ويستبدلها بغوغائية مدمرة، تجعل من العنف لغة حوار مقبولة، ومن البذاءة مهارة اجتماعية يُفتخر بها.

‏لم تسلم الروابط الإنسانية من هذا المد الهابط؛ فالحب الذي عرفناه “سكناً” وأماناً في حلقات “رفقاء الدرب”، تحول في هذه الأعمال إلى ساحة لتصفية الحسابات، وصور مشوهة من الخيانات المبررة والمصالح المادية. هذا التشويه الممنهج يضرب “مفهوم الأسرة” في مقتل، ويخلق جيلاً يعيش حالة من السخط الدائم على واقعه، مقارناً حياته البسيطة بصور زائفة من البذخ أو مآسٍ سينمائية لا صلة لها بالواقع، مما يغذي وحش “الحسد” وعدم الرضا في النفوس.

‏استهداف البراءة: حين يسرق التلفاز دور المربي

‏إن الضحية الأكبر لهذه السموم هم الأطفال والمراهقون. فالطفل، بطبعه، يحاكي ما يراه؛ وعندما يصبح “القدوة” هو ذلك الشخص الذي يتنفس عنفاً ويتحدث لغة هابطة، فإننا نخسر معركة التربية قبل أن تبدأ. الدراما الهابطة اليوم تسرق دور الأب، والمعلم، والشيخ، لتضع مكانهم نماذج تهدم في ساعات ما بنيناه في سنوات، مما ينذر بجيل يفتقد للمنظومة الأخلاقية الصلبة التي تحميه من تقلبات الزمن.

‏معركة الوعي و مثلث النجاة

‏إن مواجهة هذا الانحدار ليست مسؤولية الجهات الرقابية فحسب، بل هي مسؤولية كل “رفيق درب” في منزله. إننا بحاجة إلى تفعيل “مثلث النجاة”:

‏الوعي الانتقائي: أن نكون “فلاتر” واعية لما يدخل عقولنا وبيوتنا، ونرفض بوعينا تمويل هذه الأعمال بالمشاهدة.

‏الحوار الأسري: أن نكشف لأبنائنا زيف هذه النماذج ونعيد الاعتبار للقدوات الحقيقية في تاريخنا وواقعنا.

‏إحياء “الونس” الحقيقي: أن نستبدل ساعات الجلوس الصامت أمام الشاشات بساعات من الحوار الدافئ والترابط الأسري الأصيل.

‏إن معركتنا الحقيقية اليوم هي معركة للحفاظ على “الإنسان”. الفن كان وسيبقى رسالة سامية، وما يحدث الآن هو عارض يجب أن يزول بوعينا. فلنكن حراساً على عقول رفقاء دربنا، ولنحفظ بيوتنا من تلك السموم الناعمة التي تحاول سرقة دفئنا وقيمنا. فالحياة أقصر من أن نضيعها في مشاهدة ما يهدم أرواحنا.

‏في ختام حلقتنا السابعة، تذكروا أن عقولنا وقلوبنا هي أثمن ما نملك. لا تسمحوا للدراما الهابطة أن تسرق منكم قيمكم أو تشوه علاقاتكم بمن تحبون. نحن رفقاء درب في البناء، لا في الهدم.

‏شكراً لمتابعتكم ‘رفقاء الدرب’. كان معكم محسن رجب جودة. حافظوا على وعيكم، واحفظوا بيوتكم من السموم الناعمة. نلقاكم في الحلقة القادمة.. أترككم في رعاية الله وحفظه.”

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *