مقال

الجلباب هل العيب في الزي أم في التقصير

 

بقلم: ناصر السلاموني

في الوقت الذي ينادي فيه الرئيس بإصلاح التعليم، ويخصص له ميزانيات كبيرة، ويسعى إلى الارتقاء بالمنظومة التعليمية والوصول بها إلى مستويات عالمية، والانفتاح على تجارب الدول المتقدمة تعليميًا، نرى مع اقتراب بداية العام الدراسي جولات مفاجئة لبعض المحافظين على المدارس، تتحول أحيانًا من تفقد حقيقي لأوضاع التعليم إلى مشاهد من التعنيف والتوبيخ والجزاءات.

يصل المسؤول محاطًا بالمرافقين والمصورين، وتبدأ عملية البحث عن أوجه القصور، بينما يغيب أحيانًا السؤال الأهم: ما الإمكانات المتاحة لهذه المدرسة؟ ومن المسؤول عن العجز الموجود فيها؟

فبعض المدارس تعاني نقصًا في المدرسين والعمال، ونقصًا في عمال النظافة، وضعفًا في الإمكانات المخصصة للصيانة والترميم، ثم تُلقى هذه الأعباء على مدير المدرسة والمدرسين، الذين تحولوا في كثير من الأحيان إلى مدرسين وعمال نظافة ونجارين وسباكين ونقاشين، بل إن بعضهم يقوم بأعمال الإصلاح والتجهيز من ماله الخاص، حرصًا على ظهور مدرسته بصورة تليق بالطلاب.

وبدلًا من تقدير هؤلاء وتشجيعهم، قد يجدون أنفسهم أمام سيل من اللوم والجزاءات، وكأن المطلوب منهم أن يعالجوا بإمكاناتهم الشخصية عجزًا يحتاج في الأساس إلى إمكانات وقرارات من الجهات المسؤولة.

ومن بين هذه الوقائع، أتوقف عند موقف أثار جدلًا واسعًا، يتعلق بمدير مدرسة برقطا الإعدادية بمحافظة القليوبية، الذي ظهر أمام المحافظ مرتديًا الجلباب، فوجه إليه المحافظ سؤالًا مستنكرًا: «هو ده الزي الرسمي؟»

وإن كان المحافظ أوضح لاحقًا أن استبعاد مدير المدرسة من منصبه لم يكن بسبب ارتدائه الجلباب، وإنما بسبب ما رصده من أوجه قصور في حالة المدرسة وعدم التعامل مع مشكلاتها بالشكل المطلوب.

وبغض النظر عن تفاصيل الواقعة وقرار الاستبعاد، فإن السؤال الذي فرض نفسه على الرأي العام أوسع من هذه الحالة:

هل الجلباب المصري يتعارض فعلًا مع الوظيفة العامة؟ وهل ألزمت القوانين المصرية الموظف بارتداء زي معين؟

الإجابة ينبغي أن نبحث عنها في الدستور والقانون واللوائح المنظمة للعمل، لا في الأعراف والانطباعات الشخصية.

فالدستور المصري يؤكد مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز، ويصون الكرامة الإنسانية، ويقرر المساواة في الحقوق والحريات والواجبات العامة.

أما قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 ولائحته التنفيذية، وهما من أهم الأطر المنظمة للخدمة المدنية، فلا يفرضان زيًا إفرنجيًا موحدًا على جميع الموظفين، ولا يجعلان ارتداء البدلة شرطًا عامًا لشغل الوظيفة العامة.

وبالطبع توجد جهات حكومية وغير حكومية لها أزياء خاصة بحكم طبيعة عملها، وتوجد قواعد تنظم تلك الأزياء، ومن الواجب الالتزام بها متى كانت مستندة إلى تنظيم قانوني أو إداري صحيح. لكن الفارق كبير بين وجود زي وظيفي خاص تفرضه طبيعة العمل، وبين اعتبار الجلباب في ذاته مخالفة لمجرد أنه ليس زيًا أوروبيًا.

والجلباب في مصر جزء أصيل من الملابس الشعبية المصرية، ارتداه المصريون :المسلمون والمسيحيون، ولا يزال حاضرًا في كافة أنحاء مصر:الريف والصعيد والمناطق الشعبية.

بل إن الجلباب عرفته مصر قبل انتشار البدلة الأوروبية، وظل جزءًا من مظهر الرجل المصري، ولم يكن ارتداؤه دليلًا على الجهل أو التخلف أو ضعف الانتماء. وكما أصبحت البدلة جزءًا من الحياة المدنية الحديثة، ظل الجلباب جزءًا من الشخصية المصرية وتراثها الشعبي.

والأمر لا يقتصر على مصر؛ فدول كثيرة في العالم تتمسك بملابسها الوطنية والتقليدية، ولا ترى فيها انتقاصًا من هيبة الدولة. ففي دول آسيوية وأفريقية عديدة يظهر رؤساء الدول والوزراء والمسؤولون في المناسبات الرسمية بملابسهم الوطنية، وكذلك في دول الخليج العربي التي ما زالت الملابس التقليدية جزءًا أساسيًا من المظهر الرسمي للمسؤولين.

فلماذا يفخر هولاء بزيهم الوطني عندما يرتديه رئيس دولتهم والوزراء، ثم ننظر إلى الجلباب المصري باعتباره مظهرًا غير لائق عندما يرتديه مصري في موقع وظيفي؟

هل أصبح الزي الإفرنجي معيارًا للكفاءة؟

وهل يستطيع القماش أن يقيس قدرة مدير على إدارة مدرسة، أو قدرة طبيب على علاج مريض، أو قدرة مهندس على إنجاز مشروع؟

لا أحد يعترض على أن يكون للموظف مظهر لائق يتناسب مع طبيعة عمله، ولا على أن تضع المؤسسات قواعد واضحة للمظهر العام متى كان لها سند قانوني أو تنظيمي. لكن يجب أن يبقى الفرق واضحًا بين المظهر اللائق وبين فرض نمط ثقافي معين من الملابس دون سند.

ومن حق الدولة أن تحاسب الموظف إذا أهمل عمله، أو قصر في واجباته، أو ترك مدرسة بلا صيانة أو نظافة أو أمن وسلامة، أو لم يتعامل مع المشكلات التي تقع تحت مسؤوليته.

لكن إذا كانت المشكلة في مدرسة هي نقص العمال أو المدرسين أو أدوات الصيانة أو الإمكانات، فالأولى أن يكون السؤال: ماذا فعلنا لمعالجة المشكلة؟ وليس فقط: ماذا يرتدي مدير المدرسة؟

فالمدير الذي يرتدي أفخم بدلة ثم يترك مدرسته في حالة سيئة ليس أكثر احترامًا من مدير يرتدي جلبابًا ويعمل ليل نهار من أجل طلابه.

وفي المقابل، فإن المدير الذي يرتدي الجلباب ويقصر في عمله لا ينبغي أن يحتمي بجلبابه من المحاسبة؛ فالفيصل في النهاية هو العمل والنتيجة.

فليحاسب المقصر على تقصيره، وليكافأ المجتهد على اجتهاده، وليلتزم الجميع بأي زي تفرضه طبيعة الوظيفة إذا كان له سند قانوني واضح.

أما الجلباب المصري، فلا ينبغي أن يتحول إلى متهم لمجرد أنه ليس إفرنجيًا.

فالهيبة ليست في البدلة، والوطنية ليست في الجلباب، وإنما الهيبة الحقيقية في حسن الأداء، والانضباط، والنزاهة، واحترام المواطن، والحرص على أداء الواجب.

والسؤال الذي يجب أن يبقى أمامنا:

هل نريد موظفًا أنيقًا أمام الكاميرات، أم موظفًا ناجحًا في أداء عمله؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى