بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء أن الخليفة الراشد أبي أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف قالت جارية منهم الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر بلى وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله، ولقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الأرامل يستقي لهن الماء بالليل، ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة، فدخل إليها طلحة نهارا، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة فسألها ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت هذا منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى، فقال طلحة ثكلتك أمك يا طلحة، أعورات عمر تتبع؟ وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن، وقال مجاهد صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني، وقيل لابن المنكدر أي الأعمال أفضل ؟ قال إدخال السرور على المؤمن، وقيل أي الدنيا أحب إليك ؟
قال الإفضال على الإخوان، أي التفضل عليهم والقيام بخدمتهم، وقال وهب بن منبه إن أحسن الناس عيشا من حسن عيش الناس في عيشه وإن من ألذ اللذة الإفضال على الإخوان وكان خال القسري يقول على المنبر أيها الناس عليكم بالمعروف فإن فاعل المعروف لا يعدم جوازيه وما ضعف عن أدائه الناس قوي الله على جوازيه، وقال ابن القيم رحمه الله في وصف شيخ الإسلام ابن تيميه، كان شيخ الإسلام يسعى سعيا شديدا لقضاء حوائج الناس، وكان علي بن الحسين رحمه الله يحمل الخبز إلى بيوت المساكين في الظلام فلما مات فقدوا ذلك، وكان ناس من أهل المدينة يعيشون ولا يدرون من أين معاشهم فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كان يأتيهم بالليل، وإعلموا أن الحاجات لا تطلب إلا من أهل الإخلاص الذين يسعون لقضاء حوائج الناس طلبا لمرضاة الله تعالى.
وليس من أجل مصلحة أو وجاهة أو شهرة، كما تطلب الحوائج من الكرام وليس من اللئام، فكن أخي الكريم في قضاء حوائج الناس يكن الله تعالى في قضاء حاجتك واسعي لتفريج كرباتهم يفرج الله عنك كربات الدنيا والآخرة، فتعين أخاك المسلم فيعينك الله، ترحمه فيرحمك، تستره فيسترك، تنفس عنه كربة من كرب الدنيا، فينفس الله عنك كربة من كرب القيامة، تضع عنه بعض الدين، يضع عنك بعض الوزر، تفرج عن عسرته، يفرج الله عن عسرك يوم القيامة، وهكذا، فعندما تسوء الأخلاق، وتضيق الأرزاق، وتشتد النوازل، وتتصاعد الرذائل، وتزداد المعوّقات، وتكثر العقبات، يحتاج العبد إلى من يأخذ بيده، ويشد من أزرة، ويعلي من شأنه، ويرفع من عزمه، يجبر خاطره، ويقضي حاجته، وإن أعظم عبادة يتقرب بها المرء إلى ربه هو قضاء حاجة أخيه المسلم، ويسرّي عنه، ويبشّ له.
ويمده بالعون ويرفع عن كاهله الهمّ، ويسدي له النصيحة، والذي يفعل ذلك يكون أحب الناس إلى الله، كيف؟ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا” إن الذي يعمل على قضاء حوائج الناس يمتلك نفسا زكية، ويدا ندية، وصدرا رضيا، وقلبا سليما، وعقلا عظيما، وأفقا واسعا، وروحا متألقة لأنه بقضاء حاجة الناس يجبر نفوسا كسرت، وقلوبا فترت، وأجسادا أنهكت، وأرواحا أرهقت، وفي المجتمع لا يفتقر الفقير إلا ببخل الغني، ولا ينكسر الضعيف إلا بطغيان القوي لذلك تجد في شكوى الفقير ابتلاء للغني، وفي انكسار الضعيف امتحانا للقوي، وفي توجع المريض حكمة للمعافى، ومن أجل هذه السنة الكونية جاءت السنة الشرعية بالحث على التعاون بين الناس.
وقضاء حوائجهم، والسعي في تفريج كروبهم، وبذل الشفاعة الحسنة لهم تحقيقا لدوام المودة، وبقاء الألفة، وإظهار الأخوة، ونفع الناس ودعمهم، والسعي في كشف كربهم من صفات الأنبياء والرسل، فهذا النبي الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعا السلام، مع ما فعله إخوته حيث إتهموه في شرفه بالسرقة، ووضعوه في الجبّ، ومع ذلك قضى حاجتهم لما جاؤوا إليه متسولين فعفا عنهم وجهزهم بجهازهم.

