الاحتفال باليوم العالمي للتراث الثقافي المغمور بالمياه

كتبت : هايدي مصطفى مكي
بوابات المجد الغارق : عندما تحرس الانسانية ذاكرة التاريخ في قاع الأعماق
تحت مساحات المياه الواسعة التي تغطي معظم كوكبنا، ترقد أسرار البشرية الكبرى في صمت مهيب…فليست البحار والمحيطات والبحيرات مجرد مسطحات جغرافية للترفيه أو الملاحة، بل هي خزائن كبرى تحتضن ذاكرة حية لحضارات غابرة ومدن ابتلعتها تقلبات الطبيعة وسفن تاريخية أغلقت عليها الأمواج أبوابها لعقودٍ أو قرون.
وفي اليوم الدولي للتراث الثقافي المغمور بالمياه الذي يحل في الحادي والعشرين من أغسطس كل عام، تقف الإنسانية وقفة تأمل واستكشاف لتتذكر أن تاريخها لا يقتصر على اليابسة، بل يمتد عميقاً في قاع الأزرق الكبير.
الإسكندرية: جوهرة متلألئة في أعماق المتوسط
حين يُذكر التراث الثقافي المغمور بالمياه، تتجه الأنظار مباشرة وبكل فخر إلى مدينة الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط ودرته التاريخية. فالإسكندرية لا تقتصر روعتها على ما يظهر فوق سطح الأرض، بل تخفي في أعماق مياهها الساحلية متحفاً أثرياً حياً يعكس مجد العصور البطلمية والرومانية واليونانية القديمة.
تضم مياه الإسكندرية، ولا سيما في مناطق مثل الميناء الشرقي وقاع قلعة قايتباي، كنوزاً لا تُقدر بثمن، أبرزها:
بقايا منارة الإسكندرية القديمة: إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة، والتي تهاوت بفعل الزلازل التاريخية لتستقر أحجارها وتماثيلها الضخمة وعواميدها الجرانيتية في قاع البحر.
القصور والمباني الملكية الغارقة: مثل الحي الملكي الذي كان يضم قصور كليوباترا والملوك البطالمة، والذي غرق نتيجة الهبوط الأرضي والتغيرات الجيولوجية.
التماثيل النادرة: للآلهة والملوك، والعملات، والفخار الذي يروي قصص التجارة العالمية والحياة اليومية للمدينة القديمة.
هذا الإرث السكندري الفريد جعل المدينة واحدة من أبرز عواصم العالم في مجال علم الآثار البحرية، ومنصة محورية للتعريف بأهمية حماية هذا التراث الفريد.
الذاكرة المائية المهددة بالنسيان والاندثار:
على عكس الآثار الظاهرة على سطح الأرض كالأهرامات والمعابد التي تتعرض لضوء الشمس وعيون الزوار، تقع الآثار المغمورة في بيئة مخفية تجعلها عرضة لمخاطر مزدوجة…فهذا التراث الذي يضم كل أثر بشري بقي تحت الماء لمدة لا تقل عن مئة عام، سواء كان حطام سفينة تجارية، أو مدينة غارقة، أو أدوات يومية قديمة- يواجه اليوم تحديات وجودية قاسية.
دروع قانونية وجهود دولية لحماية الأعماق:
أدرك المجتمع الدولي خطورة ضياع هذا الإرث، فجاءت اتفاقية اليونسكو لعام 2001 بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه لتمثل المظلة التشريعية الأهم عالمياً. وتستمد هذه الجهود زخماً خاصاً من إسهامات الدول الرائدة في هذا المجال؛ حيث كان لمصر، عبر خبرائها ومكتشفيها دور ريادي في إرساء دعائم علم الآثار البحرية وتقديم مقترح الاحتفال بهذا اليوم العالمي.
كما أن اختيار تاريخ 21 أغسطس للاحتفال بهذا اليوم جاء تخليداً لمحطات بارزة في التعاون الدولي والمهمات الأثرية الرائدة تحت الماء، بهدف توحيد الجهود وتدريب الكوادر الفنية المتخصصة في الغوص الأثري وتقنيات التوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد.
استثمار مستدام للأجيال القادمة:
إن حماية التراث المغمور بالمياه لا تقتصر على الجانب الأكاديمي أو الأثري البحري فحسب، بل تحمل أبعاداً اقتصادية وسياحية واعدة. فمن خلال مفاهيم السياحة المستدامة, يمكن إتاحة بعض المواقع الأثرية الغارقة مثل تلك الماثلة في مياه الإسكندرية الصافية أمام الغواصين والسياح بطرق مسؤولة تحافظ على سلامة الموقع ولا تخل بنظامه البيئي، مما يتحول إلى رافد ثقافي واقتصادي للمجتمعات المحلية.
إن أعماق بحارنا ليست مقابر صامتة للماضي، بل هي صفحات مفتوحة تروي قصص تواصل الشعوب وإبداعهم.
وحماية هذا التراث، وفي طليعته درر الإسكندرية الغارقة، هي في النهاية حماية لهويتنا الإنسانية المشتركة، ودعوة متجددة للنظر إلى ما تحت السطح بعين الوعي والمسؤولية قبل أن تبتلع الأمواج ما تبقى من حكايات الأجداد.



