الإجتهاد فى عصر الصحابة

سلسلة: المذاهب الفقهية.. لماذا اختلفوا وكيف نختلف؟
بقلم: د. كامل عبد القوى النحاس
المقال الثالث
لم يكن رحيل النبي ﷺ نهاية الاجتهاد، بل كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ الفقه الإسلامي.
ففي حياته ﷺ كان الصحابي إذا أشكلت عليه مسألة رجع إلى رسول الله ﷺ، وكان الوحي حاضرًا ليبين الحكم ويصحح الفهم.
أما بعد وفاته ﷺ فقد انقطع الوحي، ولم يعد هناك من يمكن الرجوع إليه مباشرة، فأصبح الصحابة أمام مسؤولية جديدة: أن يبحثوا عن حكم الله فيما يستجد من الوقائع، مستندين إلى القرآن والسنة وما تعلموه من رسول الله ﷺ.
وهنا اتسعت دائرة الاجتهاد.
فالاجتهاد.. بحث عن الحق لا انتصار للرأي
ومن أجمل الأمثلة قصة ميراث الجدة.
فقد جاءت جدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها،
فقال لها: ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس.
فسأل، فقال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: حضرت رسول الله ﷺ فأعطاها السدس.
فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟
فقام محمد بن مسلمة رضي الله عنه فشهد بمثل ما شهد به المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر وأعطاها السدس.
لم يتعجل أبو بكر الحكم، ولم يجعل عدم علمه بالحكم سببًا للقول بغير علم؛ بل بحث وتثبت، فلما ظهر له الدليل قضى به.
وهكذا كان الاجتهاد عندهم: سؤالًا، وتثبتًا، ثم اتباعًا للدليل.
عمر.. إذا ثبت الدليل اتُّبع
وفي قصة الاستئذان جاء أبو موسى الأشعري رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه، فاستأذن ثلاث مرات ثم انصرف.
فلما سأله عمر أخبره أن النبي ﷺ قال إن الاستئذان ثلاث، فإن أُذن للإنسان دخل، وإلا رجع.
فطلب عمر منه شاهدًا، حتى شهد له أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، فقبل عمر الحديث.
لم يكن طلب عمر للشاهد رفضًا للسنة، وإنما كان تحققًا من ثبوتها، فلما ثبتت عنده اتبعها.
وهذه من أخلاق الاجتهاد: أن يكون الدليل فوق الرأي، وأن تكون الحقيقة أهم من الانتصار للموقف.
عائشة.. كيف يُفهم النص في ضوء القرآن؟
ومن الأمثلة الدالة على اجتهاد الصحابة ما وقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه.
فقد استشكلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حمل الحديث على أن الميت يعذب بسبب بكاء أهله عليه، واستدلت بقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وقالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ.
وحمل بعض أهل العلم الحديث على أن الميت يعذب إذا كان قد أوصى بالنياحة أو كان يرضى بها ويقرها، فيكون ذلك من أثر فعله هو، لا من تحميله ذنب غيره.
وقد اختلف العلماء بعد ذلك في ثبوت بعض طرق الحديث، وفي فهم المراد منه، وفي كيفية الجمع بين رواياته وبين الآية الكريمة.
والمهم هنا ليس ترجيح أحد هذه الأوجه، وإنما أن نرى كيف كان الصحابة يتعاملون مع النص: يثبتون الرواية، ويتأملون معناها، ويعرضونها على سائر النصوص، ثم يبحثون عن الفهم الذي يستقيم معه مجموع الدليل.
عمر وجمع القرآن.. اجتهاد في نازلة جديدة
ومن أعظم صور الاجتهاد ما وقع بعد موقعة اليمامة، حين استشهد عدد من حفظة القرآن.
فخشي عمر رضي الله عنه أن يذهب شيء من القرآن بذهاب الحفاظ، فأشار على أبي بكر رضي الله عنه بجمع القرآن في مصحف واحد.
فتردد أبو بكر أولًا وقال: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟.
ولم يكن هذا إنكارًا للاجتهاد، وإنما كان شدة احتياط في أمر لم يفعله النبي ﷺ بهذه الصورة.
وظل عمر يراجعه حتى شرح الله صدر أبي بكر لذلك، فاستدعى زيد بن ثابت رضي الله عنه، وكُلّف بجمع القرآن.
وهنا نرى الاجتهاد في أرقى صوره: اقتراح، وتردد، ومراجعة، ثم ظهور وجه المصلحة الشرعية، ثم الرجوع إليها دون حرج.
أبو بكر وعمر.. ومانعو الزكاة
وبعد وفاة النبي ﷺ وقع خلاف في قتال من منعوا الزكاة مع إقرارهم بالصلاة.
فقد رأى عمر رضي الله عنه في البداية أن الأمر يحتاج إلى نظر، بينما عزم أبو بكر رضي الله عنه على قتالهم، وقال:
والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها.
ثم قال عمر رضي الله عنه بعد أن ظهر له وجه الصواب: فعرفت أنه الحق.
لم يكن الأمر انتصارًا لأبي بكر على عمر، وإنما كان بحثًا عن الحكم الذي يرضي الله، فلما ظهر وجهه رجع إليه عمر دون حرج.
هكذا كان اجتهاد الصحابة
تكشف لنا هذه الوقائع أن الاجتهاد عند الصحابة لم يكن رأيًا عابرًا، ولا تمسكًا بموقف لمجرد صدوره عن صاحبه.
كان تثبتًا من الرواية، وفهمًا للنص، وجمعًا بين الأدلة، ومشاورةً، ونظرًا في المصلحة، ثم رجوعًا إلى الحق إذا ظهر وجهه.
وهذا هو الدرس الأهم: الاجتهاد لا يُقاس فقط بالنتيجة، وإنما يُقاس أيضًا بالطريق الذي سلكه صاحبه للوصول إليها.
ثم انتقل هذا العلم إلى التابعين، واتسعت الوقائع، وتعددت البيئات، وكثرت الأسئلة؛ فبدأت أسباب جديدة لتعدد الاجتهادات في الظهور، ومهّدت الطريق لنشأة المدارس الفقهية.
فلماذا اختلف الفقهاء، مع أن مرجعهم واحد؟
وما الأسباب العلمية التي جعلت اجتهادًا يقود إلى حكم، واجتهادًا آخر يقود إلى حكم مختلف؟
هذا هو سؤالنا في المقال القادم: لماذا اختلف الفقهاء؟



