الأديب وقاضي القضاة القشيري

بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر التاريخية وكتب الفقه الإسلامي الكثير عن أئمة المسلمين وكان من بينهم الإمام إبن دقيق العيد هو محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري القوصي، وقيل أنه أخذ مذهبي مالك والشافعي، وأخذ العربية على ابن أبي الفضل المرسي، وهو الأديب وقاضي القضاة الصارم حيث كان ابن دقيق العيد على انشغاله بالفقه والحديث أديبا بارعا، وخطيبا مفوها، ولو انصرف إلى الأدب لكان له منزلة ومكانة، ويجمع معاصروه على براعته في الخطابة وتفوقه فيها، فكان يملك أفئدة الناس بأسلوبه المؤثر ونبراته الصادقة، وعظاته البالغة، كما تولى ابن دقيق العيد منصب قاضي القضاة في أخريات حياته في الثامن عشر من شهر جمادى الأولى عام ستمائة وخمس وتسعون للهجرة.
وكان ذلك بعد وفاة القاضي ابن بنت الأعز، وقبله بعد تردد وإلحاح، وكانت فترة توليه القضاء على قصرها من أكثر سنين عمره خطرا وأعظمها شأنا، فقد أصبح على اتصال وثيق بالسلطان وكبار رجال الدولة، لكن كان له من ورعه ودينه وعلمه ما يجعله يجهر بالحق ويدافع عنه، فلا يقبل شهادة الأمير لأنه عنده غير عدل، وإن كان الكبراء والعلماء يتملقونه ويقتربون إليه، ولطالما كانت العلاقة بين الفقيه والسلطان علاقة جدلية ومتجذرة في التاريخ، فالأول يحقق مبادئ الدين، ويُحاجج لضمان بقائها وانتشارها والركون إليها كمرجع لا محيد عنه، والسلطان يرى في الفقيه منافسا يحد من جموحه ورغباته، وغالبا ما كان يدخل في صدام معه في حال لم يشرعن ما يريده في صورة فتاوى وآراء.
ومواقف دينية تقنع الجماهير، وتجعلهم يقبلون أفعال السلاطين كمسلمات فقد أثمرت ظاهرة فقيه السلطان، عبر تجلياتها المتعددة ومساراتها التاريخية، ذلك الفقيه الذي طالما جعل الأوامر السلطانية كالشريعة الإلهية، لكن ابن دقيق لم يكن من هؤلاء، فقد كان من الفقهاء النوادر الذين واجهوا السلطة المملوكية في أشد لحظاتها قوة وبطشا بثبات وثقة وقوة لافتة، وكان معاصرا للعلامة عز الدين بن عبد السلام الذي كان من جملة كبار العلماء الذين واجهوا السلطة الأيوبية في لحظات بطشها وظلمها في دمشق، ثم في القاهرة أيضا حين لجأ إليها، ولم يمنعه لجوؤه وكرم السلاطين والأمراء المماليك نحوه أن يوجّه سهام النقد إليهم حين دعت الحاجة إلى ذلك، انطلاقا من المسؤولية العلمية والأخلاقية.
التي كان يدركها تمام الإدراك، وقد كان الإمام إبن دقيق العيد ذا عزيمة عظيمة في التأليف، ومن أشهر مؤلفات الإمام إبن دقيق العيد هو كتاب الإلمام الجامع لأحاديث الأحكام، الإلمام في الأحكام في عشرين مجلدا، وشرح لكتاب التبريزي في الفقه، وفقه التبريزي في أصوله، كما شرح مختصر ابن الحاجب في الفقه، ووضع في علوم الحديث كتاب الاقتراح في معرفة الاصطلاح، وله تصانيف في أصول الدين.



