بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
تتجه بوصلَةُ الاستراتيجية الأمريكية عام 2026 نحو اتجاه حاسم الانكفاء الواقعي فبعد عقود من حروب التغيير السياسي المكلفة التي جسدتها مغامرات العراق وأفغانستان، لم يعد حلم “التبشير بالديمقراطية” بقوة السلاح يشغل واشنطن كما كان لقد تم استبدال هذا الحلم الأيديولوجي بمراجعة قاسية وموضوعية لمصادر القوة الوطنية، وتركيز لا سابق له على المنافسة الاستراتيجية مع الخصمين الرئيسيين الصين وروسيا لم تعد الأولوية هي إعادة تشكيل العالم على الصورة الأمريكية، بل أصبحت الأولوية هي منع تشكيل العالم على صورة تهدد الرفاهية والأمن الأمريكي إنها نهاية حقبة التدخل المتهور وبداية عصر “الواقعية المرنة”، حيث تحتفظ أمريكا بحقها في العمل الأحادي إذا لزم الأمر، لكنها تفضل تحريك أدوات القوة الناعمة والاقتصادية والتأثير من بعيد، وتتقبل فكرة أن بعض المناطق في العالم ستكون تحت نفوذ قوى أخرى، طالما أن ذلك لا يهدد المصالح الأمريكية الحيوية مباشرة.
وستكون التكنولوجيا هي قلب هذه الاستراتيجية الجديدة فالسباق على التفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي، سيحتل الصدارة في ميزانيات الدفاع والاستخبارات والأبحاث إنه تحول من مفهوم التفوق العسكري التقليدي القائم على الأعداد إلى مفهوم التفوق التكنولوجي القادر على تعطيل الخصم وشل قدراته قبل بدء المعركة التقليدية في نفس الوقت، سيكون الأمن الاقتصادي الركيزة الثانية، من خلال سياسات “إعادة التصنيع” و”تقصير سلاسل التوريد” لضمان عدم اعتماد الاقتصاد الأمريكي على منافسيه في القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والأدوية والطاقة النظيفة فالقدرة على الصمود الذاتي في وجه الصدمات الاقتصادية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي.
على المسرح الدولي، ستتخلى واشنطن عن دور “الشرطي العالمي” لصالح دور “المُوجِه الاستراتيجي” و”مدير التحالفات” لن ترسل أمريكا جيوشها لخوض الحروب، بل ستسعى إلى خوضها بواسطة حلفائها، من خلال تزويدهم بالسلاح والتدريب والغطاء الاستخباراتي ستكون سياسة “أمريكا أولاً” أكثر ذكاءً، حيث تشارك في العالم لا لخدمة قيم مجردة، بل لخدمة مصالحها المادية بشكل مباشر سيكون التركيز على تعزيز التحالفات القائمة (مثل الناتو في مواجهة روسيا، وحلفاء آسيا في مواجهة الصين) وجعلها أكثر فعالية وأقل اعتماداً على الدعم الأمريكي المباشر وستكون إدارة الصراعات الإقليمية، مثل التوتر في الشرق الأوسط، من منظور تقليل التكلفة الأمريكية ومنعها من تحويل الانتباه والموارد عن المنافسة الكبرى مع الصين.
أخيراً، ستضع الاستراتيجية وزناً أكبر على التحديات العابرة للحدود التي لا تستطيع أية دولة مواجهتها بمفردها، ولكنها تهدد الاستقرار الداخلي الأمريكي فقضايا مثل تغير المناخ والأوبئة المستقبلية والهجرة غير النظامية والإرهاب السيبراني، ستُعالَج لا كقضايا إنسانية ثانوية، بل كتهديدات مباشرة للأمن الداخلي، مما يستدعي تعاوناً دولياً انتقائياً حتى مع الخصوم إذا لزم الأمر باختصار، ستكون استراتيجية 2026 براغماتية بامتياز عديمة العاطفة تجاه المشاريع الأيديولوجية الكبرى، تركز على القوة الذاتية والمنافسة الكبرى، وتتعامل مع العالم بمنطق المصلحة الضيقة، في اعتراف صامت بأن عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة قد ولى، وحل محله عصر إدارة التراجع الذكي والحفاظ على المركز الأول بأقل تكلفة ممكنة إنها استراتيجية تحاول التكيف مع عالم أكثر تعقيداً وعدائية، حيث يكون الهدف الأساسي هو البقاء في القمة، وليس تغيير العال


