مقال

استدعاء القطيع واستبعاد الوعي الممر مئة وستة

بقلم / محمد جابر

ظاهره استقصائية لم أكن أنتبه لها وعندما انتبهت ظننت جهلا مني أنها ليست ذات أهمية ولكن حين رأيتها تتكرر في مستويات عدة وفي محافل كثيرة أدركت أنها ليست تفصيل عابر بل نمط مرحلة وأن الطلب عليها وافر فعندما انتشرت كالنار في الهشيم داخل المحافل الثقافية لم أُعر لها اهتمام لأن الغاية الاسمية بدت محدودة لكن عندما رأيت الأحزاب السياسية تتكالب عليها وتستخدمها أسوأ استخدام هنا بدأت أقرأ النتيجة فعديم المعرفة قد يراها للوهلة الأولى نجاح إذا كانت الحسبة بعدد الكراسي المملوءة بالفراغ لكن ونحن ما زلنا في بداية الممر فإن هذا ليس نجاح بل إنذار بانفجار قادم في وجه من صنعهم

في هذا الممر لا تستهدف العقول الواعية بل يخشى منها ينظر إلى أصحاب الوعي بوصفهم عناصر إزعاج يجب استبعادهم بوصفهم خطر على منصات التتويج الزائف لذلك تدار حولهم حسابات الإقصاء وتنسج ضدهم تفاصيل تناسب مقاسات كل منهم فإن فشلت سياسة الإبعاد الناعم يقصى العقل الواعي دون إعلان ويستدعى المغيبون والمرتزقة بوصفهم عنوان المرحلة أما من تظهر عليه ملامح الفكر فيهمش دون قرار ويترك على الهامش بدعوى الحياد أو الحذر المدار أو لحين إيجاد المقاس المناسب لارتدائه

في المقابل تستقطب الفئة ذات الوعي الأقل لا لأن ضعفها فضيلة بل لأن سهولة توجيهها مكسب هنا يتحول الإنسان من كائن مفكر واعي إلى مادة تشكل ومن ذات حرة إلى أداة تنفيذ ومن مواطن إلى رقم ومن قيمة إلى ثمن محدد له مسبقا داخل معادلة ثقافية اجتماعية سياسية إعلامية اقتصادية وهذه ليست صدفة بل نمط ممنهج في إدارة الوعي الجمعي حيث يعاد تشكيل الممر وفق منطق الحاجة لا منطق القيمة ووفق معايير الولاء والانتماء الزائف لا معايير الفهم وحرية الرأي والتعبير

في هذا الممر تستبدل الأسئلة بالشعارات ويستبدل الوعي باستحضار هؤلاء لصناعة جلبة مصطنعة تخفي خلفها سقم واضمحلال وفساد يعلمه القاصي قبل الداني فهكذا يصنع واقع يبدو مزدحم لكنه فقير المعنى ومشحون بالحركة لكنه خاوي الفعل الحقيقي

في هذا الممر يصبح العقل الواعي عبئ لأن وجوده يفضح الزيف ويكسر السردية الرسمية للكيان الواهن ويكشف كواليس العرض الوهمي

نحن أمام نموذج لإعادة إنتاج الوهم مرة أخرى ولكن بصورة أشد رداءة عبر إعادة تشكيل الوعي فالممر لم يعد في القبضة الحديدية بل في القبضة الذهنية في القدرة على تحديد ما يفكر فيه الناس وكيف يفكرون ومتى يصمتون ولماذا يصفقون وكيفية الاستفادة من كل فئة وبالأخص تلك التي تتعلق بمستويات وعي أقل هنا تتزاوج الثقافة بالسياسة ويتزاوج الإعلام بالاقتصاد لتتولد خوارزمية هدفها ضبط الشكل الخارجي والإطار العام لضمان إيقاع يتناغم مع ألحان الممر

غير أن أخطر ما في هذا الممر ليس الإقصاء ذاته بل تطبيعه حين يصبح تهميش العقل الواعي أمرا مألوف وحين يعاد تعريف الذكاء بوصفه خطر والنقد بوصفه عداء والاختلاف بوصفه تهديد فإن الممر لا يفقد نخبه فحسب بل يفقد اتجاهه فقد ضاعت بوصلته أو سرقت على حد سواء وحين تختزل القيمة في إخراج صورة لا في كشف حقيقة فإننا لا نعالج سقم ولا نرجو استقرارا بل نراكم هشاشة ستنهار حتما

إن لغة الممر ليست عدائية ضد فئة بعينها بقدر ما تكشف أن المعركة ليست بين فئة وأخرى بل بين نمطين من الوجود وجود يفكر فيسأل ووجود يوجه فينفذ الأول يزعج لأنه يعري ويكشف الزيف والثاني يطمئن لأنه يبرر عن جهل أو تمويل على حد سواء فالعاقبه واحدة ولهذا ننوه بعناية فائقة أن الكراسي عند الاختيار بين الإزعاج والطمأنينة الزائفة تختار ما يضمن استمرارها

لكن التاريخ في كل منعطفاته الكبرى لم تصنعه الأغلبية المؤدلجة بل الأقلية الواعية لذلك فإن إقصاء العقل الواعي ليس علامة قوة بل علامة خوف والخوف مهما طال لا يصنع مستقبل بل يؤجل الانفجار

في نهاية الممر يبقى السؤال هل نريد مجتمع يسير بلا وعي لكنه مستقر ظاهريا أم مجتمع مثقف يفكر يختلف يتعثر لكنه حي لأن الوعي مهما أقصي لا يموت بل ينتظر لحظة الإفاقة وحين تأتي لا يكون الممر كما كان ولا تكون الكراسي كما كانت ولا نكون نحن كما كنا

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *