مقال

اتقوا يوما الوقوف فيه طويل

اتقوا يوما الوقوف فيه طويل
بقلم / محمـــد الدكـــروري
ذكرت المصادر الإسلامية الكثير عن الرجال والرجولة وعن الرجل المائة، والرجل المائة يبذل المعروف وينساه ويستعظمه من غيره ويستصغره إن هو أولاه وأسداه، فإذا ما وقع في التقصير، ولو بشيء حقير، أسهر ليله ونهاره أضماه وتلوّع قلبه وأضناه، زاد معروفك عندي عظما أنه عندك مستور صغـير، تتناساه كأن لم تأته وهو عند الناس مشهور كبير، والرجل المائة هو يجود دون حدود ويمنح دون قيود ويبذل دون أن يبخل، ويعطي وكأنه يأخذ، والرجل المائة هو من أوقد نار كرمه ليستضيء بها السائرون فيقدمون وفتح دار هباته فإذا بالسالكين ينيخون فيغنمون، وبسط يده بأعطياته، فمنه يأخذون وله يشكرون، والرجل المائة لا يسأل أين موقعه ؟ فذلك مما لا يهمه في شيء، فإن كان في السّاقة كان في السّاقة وإن كان في المقدمة كان في المقدمة وإن كان في المؤخرة كان في المؤخرة.

وإنما يتسأل ما دوري ؟ وعملي ؟ وما ذا يمكنني أن أقدم ؟ فهو مع الناس يعيش بينهم، ويحيى لهم، فالحمد لله الذي اكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة وجعل امتنا وله الحمد خير أمه وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ويزكينا وعلمنا الكتاب والحكمة، وخصه بجوامع الكلم فربما جمع أشتات الحكم والعلم في كلمة أو شطر كلمة صلى الله علية وعلى أله وأصحابه صلاه تكون لنا نورا من كل ظلمة وسلم تسليما، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل واتقوا يوما الوقوف فيه طويل والحساب فيه ثقيل فلقد أكد الإسلام على خطورة الكلمة، لما لها من أثر عظيم في الخير أو الشر فبكلمة تدخل دين الله، وبكلمة تخرج من دين الله، ولقد كانت الكلمات من سورة طه سببا في إسلام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت كلمات مصعب بن عمير العذبة سببا في دخول نصف أهل المدينة المنورة في دين الله الحق.

وفي الجهة المقابلة بالكلمة خرج أقوام من الاسلام، وضلوا عن سواء السبيل، وإن المرد بالكلمة الطيبة هي التي تسر السامع وتؤلف القلب، وهي التي تحدث أثرا طيبا في نفوس الآخرين، وهي التي تثمر عملا صالحا في كل وقت بإذن الله تعالي، وهي التي تفتح أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر، ومن خصائصها أنها جميلة رقيقة لا تؤذي المشاعر ولا تخدش النفوس، فهي جميلة في اللفظ والمعنى، ويشتاق إليها السامع ويطرب لها القلب، وإن نتائجها مفيدة وغايتها بناءة، ومنفعتها واضحة، حيث قال الله تعالى ” ألم تري كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون” وقال الله تعالى “وقولوا للناس حسنا” وكما قال سبحانه “وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن”

وقال سبحانه “إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة” وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه بها درجات” وقال “والكلمة الطيبة صدقة” وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت” فإن الكلمة قضية شأنها عظيم وخطرها جسيم، بها يدخل المرء في دين الله فيحرم ماله وعرضه بالنطق بالشهادتين، وبمثلها يباح دمه، فما انتشر الإسلام وما عرفناه إلا بكلمة اقرأ، وما انتشرت دعوة الحق ووحي السماء إلا بكلمات القرآن المجيد، من آيات الخير والهدى، وما أقيمت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة إلا بكلمة التوحيد التي آخى بها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار.

وبالكلمة عقدت الأحلاف بين المسلمين وغيرهم وبالكلمة دعا الرسول صلى الله عليه وسلم الملوك وزعماء القبائل والاكاسرة والقياصرة إلى الإسلام، وبالكلمة بعث السرايا واستقبل الوفود وأتم تبليغ هذا الدين ورسخ الإيمان بكلمة التوحيد ونبذ الكفر وما جره من القول على الله بغير علم، ولا يكون الزواج والطلاق والبيع والتجارة بين الناس إلا بكلمة، وفي المقابل ما غزانا العدو ابتداء إلا بكلمة وما روج للفساد الفكري والأدبي والثقافي إلا بكلمة، وما تنافر الخلق وانتشر الحسد والبغض إلا بكلمة، وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “في الجنة غرفة يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها” فقال أبو مالك الأشعري لمن هي يا رسول الله ؟ قال ” لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات والناس نيام”.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *