
بقلم : د.هاني المصري
ليست كل الأخطار التي تهدد الدول تأتي عبر الحدود أو تُسمع أصداؤها في ساحات القتال؛ فبعضها يتسلل بهدوء إلى العقول، ويتخفّى داخل مؤسسات يفترض أنها تبني الوعي وتحرس الهوية. وحين تمتد يد العبث إلى الرموز الوطنية داخل المدارس، فإن الخطر لا يقف عند حدود مخالفة إدارية، بل يتجاوزها إلى محاولة نزع الانتماء من جذوره، وصياغة أجيال ترى الوطن مجرد خيار لا قيمة عليا.
إن التعاون الدولي في التعليم ليس موضع رفض، بل قد يكون رافعة للتطوير والتحديث. لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول الدعم الخارجي إلى نفوذ معنوي يعلو على الثوابت الوطنية، أو حين يشعر بعض المسؤولين أن ولاءهم للجهات الداعمة يمنحهم حصانة غير مكتوبة تسمح بتجاوز الخطوط الحمراء. هنا يصبح السؤال مشروعاً: من يحمي هوية الطلاب؟ ومن يضمن ألا تتحول المدارس إلى ساحات لتآكل الانتماء؟
إهانة العلم أو التعامل معه بلا احترام داخل مؤسسة تربوية لا يمكن اعتبارها حادثة عابرة. فالعلم ليس قطعة قماش، بل رمز للسيادة والتاريخ والتضحيات. وعندما يرى الطالب هذا الرمز يُهان أو يُهمّش، فإنه يتلقى رسالة خطيرة مفادها أن الوطن يمكن الاستهانة به، وأن الانتماء قيمة قابلة للتفاوض.
يحذر خبراء الاجتماع التربوي من أن الأجيال التي تنشأ في بيئات تُضعف الرموز الوطنية تصبح أكثر هشاشة أمام فقدان الهوية والانتماء، وأكثر قابلية للانجراف خلف تأثيرات خارجية أو أفكار معادية لمصالح الوطن. وهنا تتحول المسألة من شأن تربوي إلى قضية تتعلق بالأمن الثقافي والفكري للمجتمع.
إن المرحلة الراهنة تتطلب يقظة حقيقية من الجهات المعنية، ومتابعة دقيقة لأي نماذج أو ممارسات تنال من هيبة الدولة أو تزرع الاغتراب في نفوس الطلاب. فحماية الهوية الوطنية ليست مهمة الأجهزة الرقابية وحدها، بل مسؤولية تكاملية تشمل المؤسسات التعليمية والإعلام والمجتمع المدني وأولياء الأمور.
إن الدول لا تفقد هيبتها فجأة، بل تتآكل حين يُسمح بالمساس برموزها، ويُتغاضى عن التجاوزات التي تزرع الاغتراب في نفوس الأبناء. إن حماية العلم ليست إجراءً شكلياً، بل حماية للسيادة المعنوية والهوية الوطنية. ومن هنا، فإن اليقظة والمتابعة الحازمة لمثل هذه النماذج ليست خياراً، بل ضرورة وطنية لضمان أن تظل المدارس مصانع للانتماء… لا منافذ لتفكيكه.

