كتب : ابراهيم عمر
في كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في السلوك ذاته بقدر ما تكون في الصورة التي يحاول الإنسان رسمها لنفسه أمام الآخرين. فهناك نماذج إنسانية تصرّ على تقديم نفسها باعتبارها تجسيدًا للأخلاق والاتزان، بينما تكشف تصرفاتها اليومية عن تناقض واضح بين الخطاب والممارسة. ومن بين هذه النماذج، تظهر شخصية المرأة التي ترى نفسها عنوانًا للفضيلة، في الوقت الذي تبحث فيه عن تأكيد ذاتها عبر تعدد العلاقات لا عبر الاستقرار النفسي أو العاطفي.
هذه الحالة لا يمكن قراءتها من زاوية أخلاقية ضيقة فقط، بل تحتاج إلى فهم أعمق للبُعد النفسي والاجتماعي. فبعض الأفراد يربطون قيمتهم الذاتية بمدى قدرتهم على جذب اهتمام الآخرين، فيتحول الإعجاب الخارجي إلى مصدر أساسي للشعور بالوجود. ومع الوقت، يصبح تعدد العلاقات وسيلة لتعويض فراغ داخلي أو شعور خفي بعدم الكفاية، حتى وإن تم تغليفه بخطاب مثالي عن المبادئ والالتزام.
اللافت أن هذا التناقض غالبًا ما يصاحبه خطاب وعظي أو نقدي تجاه الآخرين؛ إذ تميل صاحبة هذا النمط إلى تقديم نفسها باعتبارها الأكثر التزامًا أو وعيًا، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل إقناع المجتمع. وهنا يظهر ما يسميه علماء النفس بـ”آلية التعويض”، حيث يُستخدم الادعاء الأخلاقي كستار نفسي يخفي صراعًا داخليًا بين الصورة المرغوبة والواقع الفعلي.
المجتمع بدوره يسهم أحيانًا في تعميق هذه الظاهرة، حين يربط قيمة المرأة بمدى كونها مرغوبة أو محط اهتمام دائم. فتتحول العلاقات من مساحة إنسانية قائمة على التفاهم والاستقرار إلى وسيلة لإثبات الجاذبية الشخصية أو الهروب من مواجهة الذات. وفي ظل هذا الضغط، قد تخلط بعض الشخصيات بين الحرية العاطفية وبين الحاجة المستمرة إلى التحقق الخارجي.
غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في العلاقات بحد ذاتها، بل في غياب الصدق مع النفس. فالاستقرار العاطفي يبدأ من إدراك الإنسان لقيمته بعيدًا عن نظرات الآخرين، ومن قدرته على بناء علاقة قائمة على النضج لا على إثبات الجاذبية المتكررة. إذ إن البحث الدائم عن الإعجاب قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالقوة، لكنه لا يعوّض غياب السلام الداخلي.وفي النهاية، تبقى الفضيلة مفهومًا لا يُقاس بالشعارات ولا بالصورة المعلنة، بل بالاتساق بين ما يقال وما يُمارس. فالإنسان المتوازن لا يحتاج إلى إعلان أخلاقه باستمرار، لأن سلوكه اليومي كفيل بأن يعكسها. أما حين تتحول الفضيلة إلى قناع، فإنها تفقد معناها، وتصبح مجرد محاولة للهروب من سؤال أكثر عمقًا: هل نبحث عن الحب الحقيقي، أم عن إثبات أننا ما زلنا مرغوبين؟

