بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء في فضل قيام ليلة القدر، أنه روي عن أبي أمامة رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” من صلى العشاء فى جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر”رواه الطبرانى، وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها، وقال ابن عبد البر مثل هذا لا يكون رأيا ولا يؤخذ إلا توقيفا، وقال الشافعى رحمه الله من شهد العشاء والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها ولا يعرف له فى الجديد ما يخالفه، وروى الطبرانى بإسناد فيه ضعف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” من صلى العشاء في جماعة وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد كان كعدل ليلة القدر” وهذا أبلغ من الحديث الذي قبله، لأن مقتضاه تحصيل فضيلة ليلة القدر وإن لم يكن ذلك في ليلة القدر فما الظن بما إذا كان ذلك فيها، ومن العلماء من نازع فى هذا.
ورأى أن فضيلة قيام ليلة القدر لا تحصل إلا لمن قام كل الليل أو معظمه، فقال المباركفورى في مرعاة المفاتيح قال ويكفي فى ذلك ما يسمى قياما حتى أن من أدى العشاء بجماعة فقد قام لكن الظاهر من الحديث عرفا، كما قال الكرمانى أنه لا يقال قام الليلة إلا إذا قام جميعها أو أكثرها، وفضل الله تعالى واسع، فلا يبعد أن ينال من صلى العشاء والصبح فى جماعة حظا من فضل قيام ليلة القدر، ولكن لا يستوى بلا شك مع من أتعب نفسه وأسهر ليله واجتهد في طاعة ربه كل الليل أومعظمه وتأسى فى ذلك بالنبى الكريم صلى الله عليه وسلم، وسائل يقول أصبح من العادة فى رمضان أن يجتمع الناس في ليلة السابع والعشرين ليقيموا ليلة القدر، وكأنهم جازمون أن هذه هى ليلة القدر، فيجتمع الرجال والنساء والخطباء والأطفال فى المساجد والكثير منهم لا يلتزم بتحرى الليلة بالعشر الأواخر وكان عليه الصلاة والسلام.
يشد مئزره ويوقظ أهله ويقيم الليل في بيته وهو القدوة الحسنة صلى الله عليه وسلم، فهل هذا الفعل بدعة ومن محدثات الأمور؟ فنقول فإن تحرى ليلة القدر مستحب فى رمضان وخصوصا فى العشر الأواخر منه ويتأكد ذلك فى السابعة والعشرين، ولا حرج فى الاجتهاد في العبادة في الليلة المذكورة أكثر من غيرها رجاء الفوز بمصادفة ليلة القدر، والاجتماع للصلاة في تلك الليلة مستحب كغيرها من ليالي رمضان، وكون بعض الناس يخص تلك الليلة بالاجتهاد فيها بما لا يجتهد به في غيرها ليس بدعة، فقد كان بعض الصحابة يقسم بأنها ليلة القدر، ولكن ينبغي للمسلم أن يتحراها في العشر الآواخر كلها، كما ندبنا إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك سائل يقول حافظت على تكبيرة الإحرام جماعة خمسة عشر يوما ثم بسبب معصية قمت بها وهى غيبة لأخ مسلم فاتتنى صلاة الفجر جماعة.
ولكن قمت بتأديتها فى وقتها ولكن في البيت وكان ذلك فى اليوم السادس عشر من رمضان ولقد سمعت من أحد المشايخ أنه من حافظ على صلاة الجماعة في شهر رمضان كله هو الذي يدرك ليلة القدر، فهل بسبب تخلفى عن صلاة الجماعة وقتا واحدا لا أدرك ليلة القدر وإن كان غير ذلك، فبم تدرك ليلة القدر علما بأننى لا أستطيع الاعتكاف لأسباب أمنية؟ فإنه لا شك أن الغيبة من أعظم الكبائر عند الله تعالى وقد نهى عنها فى كتابه العزيز ولذا فيجب على من وقع في غيبة أحد أن يتحلل منه إن أمكن ذلك، وإن لم يستطع التحلل منه بأن خاف ضررا إذا ذكر له أنه كان يغتابه فعليه أن يتوب إليه تعالى، وأن يذكر ما يعرف من محاسن ذلك الشخص فى الأماكن التى كان يذكره فيها بالسوء، وأن يدعو له، ومع أن أجر الصلاة في الجماعة مضاعف، على أجر الصلاة منفردا، وأن حضور صلاة الصبح جماعة بإنضمام صلاة العشاء.
كذلك بمثابة قيام ليلة، فإننا لم نطلع على أن من فاتته صلاة الجماعة في رمضان لا يدرك ليلة القدر، لأن ليلة القدر تدرك بقيام ليلها ولما يحصل به قيام ليلة القدر، وعليه فإن فوات صلاة الفجر على السائل المذكور لا يمنعه من مصادفة ليلة القدر إذا كان يطلبها ويتحراها بالعبادة فى رمضان ولا سيما إن كان تخلفه لعذر، ولا يعنى هذا التقليل من شأن المواظبة على صلاة الجماعة مع تكبيرة الإحرام، فها هى أيام رمضان تسارع مؤذنة بالانصراف والرحيل، وها هى أيام العشر قادمة بعد أيام بين أيدينا لتكون الفرصة الأخيرة لمن فرط فى أول الشهر، أو لتكون التاج الخاتم لمن أصلح ووفى فيما مضى.


