حقوق الإنسان

أمن الوطن والمواطن: تحالف الأمة الشامل من التعافي المؤسسي إلى الردع الاستراتيجي

بقلم: أشرف عبد الحميد

 

في اليوم الثالث لأعمال «منتدى مصر 2026» بالعاصمة الإدارية الجديدة (الأربعاء 21 أكتوبر 2026)، احتضن المسرح الرئيسي من الساعة العاشرة وحتى الحادية عشرة صباحاً الجلسة الاستراتيجية المحورية «أمن الوطن والمواطن»، والتي شهدت حضور سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي ودولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، وأدارها برصانة الإعلامي سمير عمر.

أهمية الجلسة والحضور: لوحة وطنية تُجسد تحالف الأمة

تكتسب هذه الجلسة أهمية استثنائية وغير مسبوقة لا تقتصر فقط على طبيعة الأوراق والمحاور المطروحة، بل تتجلى في الرمزية الصلبة لتشكيلة الحضور وطبيعة المشاركة المجتمعية والشعبية. لقد شهدت القاعة حضوراً مكثفاً لممثلين عن كافة طوائف وفئات الشعب المصري؛ في تجسيد حي لمفهوم «تلاحم الجبهة الداخلية»:

الجغرافيا والهوية الوطنية: مشاركة واسعة لممثلي أقاليم مصر من بحري وقبلي، وفي مقدمتهم شيوخ وعاقلو وأبناء سيناء الابية ورموز النوبة العزيزة، لتأكيد التلاحم الإقليمي على كامل التراب الوطني.

المؤسسات الدينية والتنويرية: حضور رفيع المستوى لعلماء الأزهر الشريف، ووزارة الأوقاف، وقيادات الكنائس المصرية الثلاث، ليؤكد وحدانية النسيج الوطني وروح التآخي الراسخة.

المجالس القومية والمتخصصة: التواجد الفاعل للمجلس القومي لحقوق الإنسان، والمجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي لذوي الهمم؛ لترسيخ شمولية مفهوم الأمن ليشمل الحقوق الإنسانية والخدمية لكافة الفئات.

القوى المجتمعية والشبابية: مشاركة ممثلي شباب الجامعات، النقابات المهنية والعمالية، منظمات المجتمع المدني، نواب البرلمان بغرفتيه (النواب والشيوخ)، بالإضافة إلى قيادات وضباط القوات المسلحة والشرطة المدنية.

إن هذا التنوع والاستيعاب الشامل جعل من الجلسة استفتاءً وطنياً مصغراً يؤكد أن حماية أمن مصر القومي ليست شأناً مؤسسياً عسكرياً أو أمنياً فحسب، بل هي مسؤولية تضامنية وقرار قومي يلتف حوله كافة أبناء الشعب المصري.

افتُتحت الجلسة بفيلم تسجيلي توثيقي بعنوان «أين كنا؟ وكيف أصبحنا؟»، ليسرُد رحلة الدولة المصرية الشاقة والمرينة من مربع الانفلات والإرهاب عقب أحداث 2011 إلى مربع الاستقرار المؤسسي، والردع الاستراتيجي، والاتزان القومي الكامل.

أولاً: التحول الأمني واستعادة الشارع (وزير الداخلية)

استهل اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، الجلسة باستعراض دلالات التحول الأمني الجذري الذي حققته مصر:

قراءة واقعية في فاتورة الانفلات: قارن الوزير بين تراجع كفاءة قطاعات الدولة وارتفاع معدلات الجريمة عقب 2011 — حيث سُجلت سرقة أكثر من 72 ألف سيارة بين عامي 2011 و2013 — وبين النجاح التام للأجهزة الأمنية في القضاء على ظاهرة سرقة السيارات، ودحر الإرهاب، والسيطرة الكاملة على الشارع.

صون حقوق المواطن والشفافية: أكد على تطوير شرطة النجدة لسرعة الاستجابة لبلاغات واستغاثات المواطنين، ونشر نتائج فحص الشكاوى عبر صفحات الوزارة الرسمية بأسلوب يوازن بين الشفافية وحفظ الخصوصية.

تطوير الفلسفة العقابية والتوعية: التوسع في تطبيق فلسفة مراكز الإصلاح والتأهيل لإعادة دمج النزلاء مجتمعياً بالتعليم والعمل، بالتوازي مع إطلاق برامج توعوية للشباب لمواجهة مخططات التضليل والشائعات والتنظيمات الإرهابية.

ثانياً: الحوكمة والجاهزية الشاملة للأزمات (رئيس الهيئة القومية لإدارة الأزمات)

استعرض الفريق محمد عبد الرحمن ربيع، رئيس الهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ (ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة سابقاً)، منظومة عمل الهيئة ومركز تنسيق الدفاع عن الدولة:

الهيكلة المؤسسية الصلبة: نشأت الهيئة بقرار جمهوري وتتكامل قيادتها بين الخبرات العسكرية والمدنية (برئاسة الفريق ربيع، ونيابة مدير سلاح الإشارة، ومساعدة قيادات من وزارة الداخلية).

رفع كفاءة الاستجابة: رفع الجاهزية الاستباقية لمؤسسات الدولة، والتعامل المباشر مع الأزمات المركبة، وتأمين المرافق الحيوية لتعزيز الأمن المجتمعي وتأمين المواطنين.

ثالثاً: الاتزان الاستراتيجي والدبلوماسية الشجاعة (وزير الخارجية والهجرة)

تناول الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة، أبعاد المحيط الإقليمي والدولي المضطرب وصعوبة التنبؤ بمساراته:

الاستقرار الداخلي شرط لسياسة خارجية فاعلة: شدد على أن السياسة الخارجية الناجحة تستند إلى قوة مؤسسات الدولة وحكمة قيادتها، مما جعل مصر ركيزة أساسية للاستقرار المستدام في المنطقة.

عقيدة “الاتزان الاستراتيجي”: انتهاج سياسة متوازنة ترفض الاستقطاب والتكتلات الحادة، وتعتمد بناء شراكات متزامنة مع الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي والقوى المتوسطة في عالم يتجه لتعدد الأقطاب.

دوائر الأمن القومي والتنسيق الإقليمي:

شرق المتوسط: حماية الموارد وترسيم الحدود بدبلوماسية حذرة.

التطابق مع السعودية: تنسيق وتطابق كامل في الرؤى مع المملكة العربية السعودية صوناً للأمن القومي العربي.

المحاور الملتهبة: متابعة ملفات الاتجاه الشرقي (غزة، فلسطين، لبنان، سوريا، إيران)، والاتجاه الغربي (ليبيا والساحل الأفريقي)، والقرن الأفريقي لارتباطها المباشر بالأمن القومي والمائي.

رابعاً: الرسائل الرئاسية.. الوعي، الردع الإقليمي، والملفات السيادية (كلمة الرئيس السيسي)

اختُتمت الجلسة بالكلمة التاريخية الشاملة لسيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي حددت ثوابت الأمن القومي والسياسة السيادية لمصر:

عن الأمن الداخلي والمؤسسات:

حماية الدولة مسؤولية الشعب كله، والوعي الصلب لـ 100 مليون مصري هو الحصن المنيع ضد مخططات التشكيك والتضليل.

رجال الشرطة والقوات المسلحة هم أبناء هذا الشعب وليسوا ميليشيات، وتجهيزاتهم هدفها حماية الدولة والمواطنين، مؤكداً: “نحن لا نحمي نظاماً أو شخصاً، بل نحمي دولة وشعباً واجه تحديات جسام”.

عن الالتزام تجاه السعودية والتفويض العسكري:

وجه الرئيس رسالة حازمة للأشقاء: “طبقاً لتوجيهات الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هننفذ أي إجراء لحمايتكم والدفاع عنكم”.

أعلن دعوة مجلس النواب لجلسة طارئة لتفويض إرسال قوات خارج الحدود، مشيراً إلى موافقة مجلس الدفاع الوطني على تقديم كافة أشكال الدعم (دفاع جوي، رصد مبكر، حرب إلكترونية، وتأمين بحري انطلاقاً من قاعدة برنيس الاستراتيجية لحماية البحر الأحمر وقناة السويس).

عن سد النهضة والأمن المائي:

وصف القضية بـ “الوجودية”، مبيناً أن الفراغ وغياب الدولة بين 2011 و2013 هما اللذان سمحا ببناء السد، وأن فاتورة 2011 كانت باهظة جداً.

أكد أن السعي للحلول السلمية لن يكون أبداً على حساب وجود مصر أو حقوق شعبها التاريخية، مشدداً على أن مياه الحوض وفيرة وتكفي الجميع إذا أُحسن استغلالها، والمطلب المصري هو اتفاق قانوني ملزم وعدم المساس بالحصص المائية.

عن السودان والعمق الاستراتيجي:

شدد على أن مصر لن تسمح بأي مساس بسيادة السودان ووحدة أراضيه، نظراً للارتباط العضوي بين الأمن القومي المصري والسوداني.

جدد دعم مصر لهدنة إنسانية عاجلة وجهود المبادرة الرباعية لإنهاء الحرب.

عن الجيش والدول العربية:

أعلن أن الجيش المصري هو ركيزة الاستقرار للمنطقة، وأن مصر قادرة تماماً على حماية مقدراتها وتنمية مسارات السلام الشامل بحكمة مؤسساتها ورصانة قراراتها.

الخاتمة

لقد برهنت جلسة «أمن الوطن والمواطن» بمنتدى مصر 2026 من خلال التفاف كافة طوائف ومكونات الشعب المصري حول قيادتهم ومؤسساتهم أن الدولة الوطنية صلبة وعصية على الاختراق. إن التكامل بين الخدمة الأمنية في الداخل، والدبلوماسية المعتدلة، والردع العسكري لحماية الحدود والعمق الإقليمي، هو المظهر الحقيقي لـ “الجمهورية الجديدة” القائمة على الشمولية والمؤسسية والمواطنة الرشيدة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى