بقلم/أيمن محمد على
فى سجل الحروب الحديثة لا يقتصر القتل على الرصاص والصواريخ فهناك نوع آخر أشد قسوة وتأثيرا هو الاغتيال المعنوي ذلك السلاح الذى يستخدم لتدمير صورة القادة وتحويلهم من رموز مقاومة إلى كائنات مشوهة فى الوعى العام ومن أكثر الأمثلة فجاجة فى هذا السياق ما تعرض له أحد القادة الأفارقة المسلمين حين جرى تقديمه للعالم تحت لقب القائد الزومبى
القصة لم تبدأ من ساحة معركة بل من غرف الإعلام والحرب النفسية حيث تم توظيف اللغة والصورة بعناية لصناعة رواية بديلة تلغى التاريخ الحقيقي للرجل وتستبدله بصورة عبثية تهدف إلى نزع الإنسانية عنه وتحويله إلى مادة للسخرية والخوف فى آن واحد
هذا القائد الذى خرج من بيئة إفريقية مسحوقة بالاستعمار لم يكن سوى نتاج واقع قاس تشكل فيه وعيه على فكرة التحرر والكرامة والاستقلال ومع صعوده كرمز للمقاومة ضد الهيمنة الأجنبية بات يشكل تهديدا مباشرا لمصالح قوى كبرى لم تجد فى اغتياله جسديا الخيار الأسهل فاختارت الطريق الأطول والأكثر دهاء وهو تشويه السمعة
تم تصويره فى وسائل إعلام عالمية كرجل فاقد للعقل مسكون بالدماء ومهووس بالعنف بينما تم تجاهل خلفيته الدينية والثقافية ودوره الاجتماعى وتحويل كل خطاباته إلى مقاطع مبتورة تخدم سردية واحدة هى أنه خطر يجب عزله أو القضاء عليه
مصطلح الزومبى لم يكن وصفا عابرا بل أداة نفسية خطيرة فالكلمة تحمل فى الوعى الجمعي صورة الكائن الذي لا روح له ولا عقل ولا قيمة إنسانية وبذلك يصبح قتله أو محوه أمرا مبررا أخلاقيا أمام الرأى العام الدولى وهنا يتجلى جوهر الاغتيال المعنوى حين يسبق الرصاصة ويمهد لها
لم يكن الهدف تشويه شخص بعينه فقط بل توجيه رسالة أوسع لكل قائد إفريقى مسلم يفكر في الخروج عن الخط المرسوم له مفادها أن التمرد لن يواجه بالقوة العسكرية فقط بل بالإلغاء الرمزى والتجريد من الشرعية والإنسانية
الأخطر فى هذه القصة أن كثيرا من المتلقين تلقوا الرواية دون مساءلة فساهموا عن قصد أو دون قصد فى إعادة إنتاج الصورة المشوهة متناسين أن التاريخ كثيرا ما كتب بأقلام المنتصرين وأن الضحية الأولى فى الحروب النفسية هى الحقيقة
أكبر اغتيال معنوى فى التاريخ لم يكن لرجل واحد بل لفكرة كاملة فكرة أن إفريقيا قادرة على إنجاب قادة مستقلين وأن الإسلام فى القارة ليس عبئا بل جزء أصيل من هويتها ونضالها
تبقى قصة القائد الزومبى الافريقى المسلم شاهدا صارخا على قوة الإعلام حين يتحول إلى سلاح وعلى خطورة تشويه الوعي حين يصبح بديلا عن الرصاصة وعلى ضرورة إعادة قراءة التاريخ بعين ناقدة لا تنخدع بالصورة ولا تكتفى بالرواية


