بقلم : عماد نويجى
كان يعيش بداخله رجلان
أحدهما مهذبٌ حدَّ الاختناق يحسب خطواته كما تُحسب قطرات الدواء يخشى الخطأ كما يُخشى السقوط من شاهق
والآخر… يضحك في غير أوانه يركض في العواصف ويؤمن أن الحياة لا تُعاش بنصف قلب
سنواتٍ طويلة ترك الرجلُ العاقلُ زمام الأمور بيده
اختار الطريق الآمن الكلمات المحسوبة الأحلام القابلة للتقسيط.
كان ناجحًا… نعم لكنه لم يكن حيًّا بما يكفي
وفي ليلةٍ ثقيلة حين تراكم الصمت في صدره كحجارة سمع الصوت الذي ظلّ يقمعه طويلًا “أعطني فرصة”
ارتبك قال في داخله”أنت جنون. ستدمر كل ما بنيته”
ضحك الصوت الآخر وقال “بل سأبنيه على حقيقتك”
في الصباح، فعل شيئًا صغيرًا بدا كأنه زلزال
قال “لا” حيث اعتاد أن يقول “حاضر اعترف بحلمٍ كان يخفيه
واجه خوفًا ظل يهرب منه أعوامًا
لم تنشق الأرض لم يسقط السقف لم تبتلعه السماء
بل حدث شيء أغرب…
شعر لأول مرة أن دمه يجري لا يتثاقل أن قلبه ينبض لا يؤدي واجبه فقط
ذلك “المجنون” لم يكن خرابًا كان شجاعةً بلا أقنعة
كان الجرأة على أن يكون كما هو لا كما يُنتظر منه أن يكون
اكتشف أن أخطر أنواع الكذب هو أن تعيش نسخةً آمنة من نفسك وتسمّيها حكمة
وفي اللحظة التي سمح فيها لذلك المجنون أن يتنفس
لم يصبح متهورًا…بل أصبح حرًّا جرّب اتحدَّ مع نفسك
أطلق سراح ذاك الذي تخافه في داخلك
قد تكتشف أن الجنون ليس نقيض العقل…بل شجاعته الأخيرة.


