أخبار الفن

أحمد الروسي يعود بعد غياب طويل بأغنية في حضن الليل وتفاصيل لأول مره”

الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر

ليس الليل في أغنية «في حضن الليل» مجرّد وقتٍ عابر أو استعارة شعريّة للوجع، بل هو الحالة التي يُدفَع إليها الفنّان حين يُترك وحيدًا في مواجهة منظومة لا ترحم، منظومة تصنع النجوم بسرعة ثم تقتلهم ببطء، وتصفّق للصعود أكثر مما تحتمل السقوط. أحمد الروسي، منذ اختفائه عام 2008، لم يكن استثناءً، بل كان حلقة في سلسلة طويلة من أسماء لمعَت قليلًا ثم انطفأت، لا لأنّها فشلت، بل لأنّ أحدًا لم يرَ فيها ما يستحق الرعاية، وكأن الموهبة وحدها جريمة لا تُغتفر ما لم تُرفَق بضجيجٍ وتسويقٍ ونفاقٍ فنيّ معلن.

السؤال الحقيقيّ ليس: لماذا اختفى أحمد الروسي؟ بل: لماذا نترك فنانًا مثله يختفي ثم نتحوّل فجأة إلى قضاة أخلاقيّين نسأل عن التوبة والاعتزال؟ هل التوبة مطلوبة من الفنّان فقط، أم من وسطٍ كاملٍ اعتاد أن يستهلك الأصوات ثم يتخلّى عنها بلا اعتذار؟ أحمد الروسي لم يمت جسديًا، لكن كم فنانًا مات فنيًا ونفسيًا بسبب الإهمال، بسبب التجاهل، بسبب شعورٍ قاسٍ بأنك موجود ولكنك غير مرئيّ، تسمع التصفيق من بعيد ولا يصل إليك شيء منه؟

في «في حضن الليل»، تتكثّف هذه المأساة بشكلٍ يكاد يكون اعترافًا جماعيًا؛ كلمات محمد حسن معوض لا تتوسّل، بل تواجه، لحن أحمد الروسي لا يطلب الشفقة، بل يصرّ على الإحساس، أمّا التوزيع الموسيقي لعمر إسماعيل فجاء كأنه جنازة صامتة لأحلام لم تُدفن رسميًا، توزيعٌ يعرف متى يتراجع ليترك الألم يتقدّم، وكأن العمل كلّه شهادة موثّقة على ما يحدث عندما يُترك الفنّان دون دعم، ودون أمان، ودون شعورٍ بأن هناك من يراه حقًا.

كم نجمًا مات لأن الشهرة أتته ناقصة؟ وكم موهبة قُتلت لأنها لم تُدعَم في الوقت المناسب؟ الشهرة، حين تأتي بلا حماية، تتحوّل من نعمة إلى فخّ، ترفع الفنان قليلًا ثم تتركه يسقط وحده، والجمهور، للأسف، شريك صامت في هذه الجريمة، يطالب بالجديد باستمرار، لكنه نادرًا ما يسأل: ماذا يحتاج هذا الفنان ليستمر؟ ولماذا لا نحتفي بالمشروع الفني طويل النفس بدل اللهاث خلف الأغنية المؤقّتة؟

إنّ مأساة أحمد الروسي ليست في غيابه، بل في أنّ غيابه لم يُقلق أحدًا في حينه، لم تُقرَع أجراس الخطر، لم تُفتح الأسئلة الكبرى إلا بعد أن صار الصمت طويلًا. وهذا هو جوهر المشكلة: نحن لا ندعم المواهب، نحن نستهلكها. لا نبني الفنان، بل نطالبه أن يصل جاهزًا، وحين يتعثّر، نتركه في حضن الليل ونمضي.

ربما لم يعتزل أحمد الروسي، وربما لم يتُب بالمعنى المتداول، لكن المؤكّد أنّه انسحب من لعبة لا تعترف إلا بمن يصرخ أعلى، ومن يقدّم نفسه قربانًا للشهرة. والمؤكّد أكثر أنّ هناك عشرات غيره، بعضهم مات فعليًا، وبعضهم ما زال حيًا لكنه غائب، لأن الإهمال لا يحتاج إلى رصاصة، يكفيه الصمت.

إن لم نسأل اليوم لماذا يموت الفنّانون بسبب الإهمال، وإن لم نغيّر طريقة دعمنا للمواهب قبل أن تتحوّل إلى ذكرى، فسنظل نكتب مقالات رثاء متأخّرة، ونستمع لأغانٍ جميلة ونحن نعرف في قرارة أنفسنا أنّ صاحبها كان يستحق حياة فنيّة أطول من هذا الظلّ.

sdytm165@gmail.com

About Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *